حين يلتقي النضج بالإلهام… أو بالوهم

 حين يلتقي النضج بالإلهام… أو بالوهم



مع التقدم في العمر وتراكم التجارب، يمرّ الإنسان بتحوّل هادئ في نظرته للحياة.

لم يعد يتوقف عند كل حدث، ولا يبالغ في التفاعل مع المتغيرات.

النضج الحقيقي لا يصنعه عدد السنين فقط، بل تصنعه المواقف التي خلخلت الثوابت، ثم أعادت ترتيبها بهدوء.


حين يبلغ الإنسان هذه المرحلة، تبدأ روحه في فرز الأمور بميزان مختلف:

فلا يغضب لما يغضب له الآخرون،

ولا يركض خلف ما كان يعدّه يومًا من الأولويات،

ولا يخشى الفقد كما كان يفعل في البدايات.


وفي خضم هذا النضج، قد يتسلل إليه شعورٌ غريب…

كأن النفس تهمس له بأن الرحيل بات قريبًا،

كأن كل شيء يتجه نحو الختام، دون مرض أو إنذار.


فهل هذا الشعور إلهام صادق من الله؟

أم أنه وهم نفسي يلبس ثوب الحكمة؟


الإلهام الصادق: نور من الله


في الإسلام، الإلهام ممكن.

وقد قال النبي ﷺ:


إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله.” قالواكيف يستعمله؟ قاليوفقه لعمل صالح قبل موته.

(رواه أحمد)


وهنا يظهر الفرق الجوهري:

فالشخص الذي يُلهمه الله بقرب أجله، لا يضطرب، ولا ينعزل هربًا،

بل يبدأ بهدوء في إصلاح ما فسد، وتصفية ما علق، والإحسان فيما بقي.

تراه:

يعتذر ممن أساء إليهم،

ويوصي أبناءه،

ويُقبل على الطاعة بخشوع لا رياء فيه،

ويزهد فيما بين يديه كأن قلبه لم يعد متعلقًا به.


إنه لا يهرب من الدنيا، بل يرتقي عنها بلطف، وكأن الله يعدّه للقاء.


أما الوهم النفسي… فهو انكسار داخلي


لكن لا يغيب عنا أن بعض الناس، ممن أثقلتهم هموم الحياة،

قد يشعرون بذلك الشعور ذاته،

لكن لا بوصفه إلهامًا، بل كهروب داخلي من واقع مرير.


فمنهم من أرهقته الخيبات،

ومنهم من لم يجد ظهرًا يسنده،

ومنهم من تاه في زحام المعنى، فأخذته الظنون نحو فكرة النهاية.


هذا الشعور – في جوهره – ليس صدقًا إلهاميًا، بل احتراق نفسي متنكر،

قد يقود إلى الانسحاب، أو الاكتئاب، أو حتى تمني الموت… من فرط التعب لا من قرب الأجل.


وقد قال ابن القيم رحمه الله:


لا تيأس، فإن الله يبعث الأمل من تحت الرماد، كما يبعث النبات من وسط الصخور.”


التمييز بين الحالتين ضرورة إيمانية ونفسية

من أُلهم من الله، يهدأ ويُقبل، ويزداد نورًا.

ومن ضل به الوهم، ينطفئ ويهرب، ويغرق في الظلمة.


وهنا تظهر حكمة الدين:

الإسلام لا يقدّس الشعور إلا إن وافقه العمل الصالح،

ولا يُقرّ الانسحاب من الحياة بدعوى الروحانية، إن كان في جوهره يأسًا أو وهناً.


ومضــة للتأمل:


إذا شعرت يومًا أن النهاية تقترب،

فهل كان ذلك لأنك استوفيت رسالتك؟

أم لأنك فقط أُرهقت من الطريق؟

#افكاري #مقالات #اكسبلور #الكويت 

aldeai blogspot

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات