الرجل
الرجل
الرجل بين المثال والواقع: رحلة بين المرآة والظل
كان الرجل عبر العصور عنوانًا للقوة والعقل والثبات. هكذا رُسمت صورته في الأذهان، وهكذا تربى عليها، حتى ظن أن الرجولة هي أن لا يسقط، أن لا يشتكي، أن لا يتراجع. لكن الواقع لا يُشبه الصورة. الواقع أكثر هشاشة، أكثر تعقيدًا، وأكثر صمتًا مما يُقال.
في البداية، كانت صفاته تُقدَّم بوصفها معايير مطلقة: أن يكون حكيمًا لا يغضب، كريمًا لا يتأخر، صادقًا لا يتردد، عادلًا لا يحابي. رجلٌ يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، يقود بلا استبداد، ويتراجع بلا خجل إن أخطأ. هذه هي النسخة التي تُعلّق على الجدران وفي الكتب… لكنها ليست دومًا هي من يعيشها على الأرض.
في الحقيقة، الرجل كثيرًا ما يحاول أن يُشبه هذه الصورة، لكنه يَكِلُّ في المنتصف. فهو محاط بتوقعات تتعدى طاقته، يعيش سباقًا مستمرًا لإثبات أنه “كافٍ”، بينما في داخله تساؤل لا صوت له: “هل أنا فعلًا كما يريدون؟”. بعض الرجال يهربون من هذا الضغط بالتظاهر، وآخرون ينكسرون بصمت، لأن لا أحد علمهم كيف يُصالحون أنفسهم حين يفشلون.
وحين يدخل الرجل بيته، تبدأ ساحة أخرى من التحدي. في المثالية، يُنتظر منه أن يكون القائد الحنون، السند، والملاذ، والمربّي. أن يشارك زوجته التربية، ويوزع اهتمامه بعدل بين أبنائه، وأن يُنفق بلا منّة، ويحتوي بلا نفور. لكن الواقع كثيرًا ما يأتي مختلفًا. فالكثير من الآباء اليوم حاضرون بأجسادهم، غائبون بأرواحهم. ليس لأنهم لا يريدون، بل لأنهم لم يتعلموا كيف يكون الحضور الحقيقي، كيف يُصغون، وكيف يُشاركون دون أن يشعروا أنهم فقدوا سلطتهم.
وفي المجتمع، للرجل دورٌ مثاليٌّ آخر يُطلب منه: أن يكون لسان الحق، ويد العدل، وعقل الجماعة. لا يخضع لرغبات الناس، ولا يعلو إلا بالحكمة. لكن الواقع المعاصر لا يرحم، فهو يُقيم الرجل بمظهره، بماله، بعدد علاقاته، أو بمدى تأثيره على الآخرين، حتى لو كان على حساب مبادئه. كثير من الرجال يشعرون أنهم تائهون بين صورتين: واحدة تُعظّمهم، وأخرى تستهلكهم.
أما في علاقته مع نفسه، فهنا تنكشف الحقيقة الأكبر. الرجل الحقيقي لا يُعرَف في صوته بين الناس، بل في صمته مع نفسه. في الصورة المثالية، هو الذي يُراجع ذاته بصدق، ويعترف بضعفه دون أن يُجلدها، يُصالح ماضيه، ولا يجعل الخطأ سجنًا له. لكنه في الواقع كثيرًا ما يهرب من تلك اللحظة التي يقف فيها أمام مرآته الداخلية. هناك من لا يستطيع أن يطرح على نفسه سؤالًا بسيطًا: “هل أنا بخير؟”، لأن الإجابة قد تُخيفه. وهناك من يدفن مشاعره لأنه لم يتعلم أن يعبر، وكأن الرجولة نقيض العاطفة.
ثم تبقى الرسالة الأخيرة، إرث الرجل. المثالية تقول إن الرجل لا يُقاس بما يملك، بل بما يترك: أبناء يُكملون خطه، قيمًا تتردد بعده، أثرًا طيبًا لا يُمحى. لكن كم من الرجال غادروا دون أن يتركوا خلفهم سوى ملفات إدارية وأوراق مواريث؟ وكم من رجل ظل مجهولًا في تاريخه، لكنه أنقذ أسرة بكلمة، وربّى إنسانًا صالحًا بصبر، وأحيا قيمة كانت ستموت لو لم يحملها؟
في نهاية الأمر، الرجل ليس مثالًا جامدًا، ولا صورة من حجر. هو رحلة.
رحلة بين ما يريد أن يكونه، وما يستطيع أن يكونه.
بين ما يُطلب منه، وما يفهمه عن نفسه.
وبين ما يعيشه، وما يتركه خلفه حين يخفت صوته، وتبقى حكاياته.
#وجه_الرجل_الحقيقي
#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر
لباقي المقالات علي
aldeai.blogspot.com



تعليقات