المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف افكار

سراب الأب

صورة
  سراب الأب لم يقل الأب الجملة ليواسيه، بل ليُغلق بابًا يخيف ابنه. وقف بجانبة قبل السفر، وضع يده على كتف ابنه بثبات لا يشبه الوداع، وقال بوضوح خالٍ من الزينة: «لا تخف. سأكون في ظهرك. لكن ليس في كل طريق تختارها.» لم يناقش الابن الشطر الثاني. لم يكن مستعدًا لفكرة أن الأمان قد يأتي مشروطًا، ولا أن الحماية قد تبدأ بالمنع. يتطلع لما سيخوضه الي الامام. قبل ذلك بأيام، قال له صديق و هو يشجعه جملة بدت أبسط وأكثر إنسانية: "أنا   معك   دائمًا،   مهما   قررت" . كانت جملة مريحة، بلا حدود، بلا إعتراض، بلا مستقبل يُطالِب بثمنه. حين جاء القرار الأول للإبن ، كان خاطئًا، لا لأنه سيئ في ظاهره، بل لأنه مؤذٍ في نهايته. فرصة سريعة، مكسب قريب، هذا ما يراه الابن و الأب يرى شيئا آخر مخاطر مؤجلة لا تُرى إلا متأخرًا. هذا ما لم يراه الابن و كان واضحا للأب  عندما طرح الابن الفرصة للأب دار الحديث كالتالي  قال الأب: لا. قالها ببرود الواثق، لا بحدة المتسلط. مدّ الابن الأوراق أمامه، شرح، أقسم، وعد. توقّف الأب عند سطر واحد، ثم دفع الملف جانبًا وقال الجملة التي كسرت كل شيء: «في هذا الطر...

مدينة البصمات الخفيّة

صورة
مدينة البصمات الخفيّة   كان المسافرون يقولون إنّ في أقصى الأرض مدينة لا تظهر في الخرائط. وإن وصلتَ إليها، فلن تعرف كيف دخلت، ولا لماذا لم تهرب عندما سنحت لك الفرصة الأولى. كانوا يسمّونها مدينة البصمات الخفيّة مدينة لا تخطئ، ولا تنسى، ولا تجامل أحدًا. في اللحظة التي يدخل فيها الزائر بوابتها، يشعر كأنه تجرّد من شيء لا يعرف اسمه. الهواء هناك لا يشبه هواء المدن، وكأن الذرّات فيه تعرف من أنت قبل أن تنطق. فكل شيء، من الحجارة إلى الأرصفة، يحتفظ بأثر من يلمسه؛ أثر لا يبهت، ولا يمّحي، ولا يخضع للزمن. كان سكان المدينة يتحركون بهدوء مُربك، ليس خوفًا من البشر، بل خشية من آثارهم هم. فعندما يضع أحدهم يده على جدار، يلمع المكان بلونٍ خافت يكشف أثره السابق. وإن جلس على مقعد، يشتعل المقعد بضوءٍ رقيق يدل على حضوره القديم. لكن الأغرب لم يكن أثر اللمس أو الحركة… بل آثار لا يمكن لأحد أن يتحكم بها— خيط النَفَس الذي يبقى معلّقًا في الهواء، شعرة تسقط فتبقى متوهّجة للحظات، خطوة تترك ظلًا خفيفًا يرافق المكان حتى بعد رحيل صاحبها. كانت المدينة ترى الإنسان كما هو، لا كما يحاول أن يظهر. وحك...