قصة حين خفت الضوء
حين خفت الضوء
كان يبدو كما يريده الجميع أن يبدو: ناجح، ثابت، حاضر، يُبتسم بثقة، يُردّد الكلمات الصحيحة في اللحظة المناسبة. زوجة وأبناء، منزل مرتب، عمل مستقر، واسم يتكرر في المجالس بنبرة إعجاب. كان كل شيء حوله يقول إنه يعيش الحياة كما ينبغي.
لكن في داخله، كان هناك شيء لا يتماسك.
ابتسامته بدأت تتصلب. لم تعد تنبع من قلبه بل من واجب. عضلات وجهه تتألم وهو يحاول رسمها كل صباح، وكأنها صارت قناعًا يشدّ جلده من الداخل. وبدل أن تكون علامة سعادة، أصبحت ابتسامته تذكره بما فقده… أو بما لم يعشه يومًا.
قبل سنوات، كان مجرد رجل يحلم بمستقبل أفضل لعائلته. حلم مشروع. لكنه تحوّل بهدوء إلى هوس. بدأ يخطط، يرسم، يحذف، يؤجل، يضغط على نفسه… وكل ذلك لأجل غدٍ أكبر وأوسع وألمع. ومع الوقت، صار يقدّم تنازلات لا يلاحظها. يتغاضى عن لحظة سعادة عابرة، يبتلع غضبًا، يؤجل لقاءً، يرفض نزهة، يؤجل ابتسامة. يقول: “لاحقًا”، لكنه لم يعلم أن “اللاحق” يأكل كل جميل في “الآن”.
كلما زاد تفكيره في المستقبل، زادت شروخه في الحاضر. علاقته بأبنائه بدأت تفتر. لم يعودوا يقبلون عليه كما كانوا. حديثه صار موجزًا، وصاروا يفضلون الصمت. زوجته التي كانت صديقته، صارت شريكته في الترتيب فقط. حتى أصدقاؤه، أولئك الذين عرفوه منذ بداياته، بدأوا يبتعدون، بهدوء، بلا عتاب. لا أحد يوبخه. الجميع يبتعد فقط.
وبينما ظنّ أن انشغاله كان لأجلهم، كان في الحقيقة يختبئ منهم. حتى مع أولئك الذين رأوا هشاشته، لم يجد في نفسه الجرأة لطلب المساعدة. فاختار أن يضغط أكثر. ينجز أكثر. يخطط أكثر. وكأن النجاة ستأتيه عبر ورقة إكسل مرتبة، أو عرضٍ استثماري ناجح.
لكن في الخلفية، كانت الشاشات تنقل كل بضعة أشهر خبرًا متجددًا:
“نيزك محتمل الاصطدام بالأرض خلال سنوات قليلة.”
كان الجميع يتناولونه كخبر غريب، خيال علمي أو مجرد ضجيج إعلامي.
وفي ليلة صامتة…
جلس في غرفته، بعد يوم طويل من التخطيط، الإهمال، البرود، والصمت الثقيل.
فتح التلفاز دون وعي، وكانت هناك صورة محاكاة للنيزك تضرب الأرض.
توقف كل شيء داخله.
لم تكن الصورة مخيفة، بقدر ما كانت عارية.
كأنها فجّرت داخله لحظة مواجهة لم يهرب منها هذه المرة.
نظر حوله…
في الزوايا المظلمة من حياته:
طفل نام وهو ينتظر قصة،
زوجة أنهت يومها دون أن تسمع منه جملة حقيقية،
أوراق على الطاولة لأحلام لم تعد تخص أحدًا.
حينها فقط فهم الحقيقة القاسية:
لقد ركض كل هذه السنين ليصل لمكان لم يعد يريده.
أدرك أنه لم يعش، بل خطط.
لم يربِ أبناءه، بل كان يحضّرهم.
لم يحب، بل حافظ على صورة الحب.
حتى نفسه… لم يعرفها.
جلس طويلاً تلك الليلة. لم يبكِ. لم يكتب شيئًا.
فقط سأل نفسه سؤالًا واحدًا:
“لو بقيت أيامي معدودة… من أودّ أن ينجو؟”
لم يقل: “أنا”.
بل رأى وجوههم…
وابتسم لأول مرة من الداخل.
منذ تلك الليلة، بدأ كل شيء يتغير.
لم يعُد يرى المستقبل مشروعًا شخصيًا،
بل أمانًا جماعيًا.
صار يعدّ الأيام لا ليبلغ القمة… بل ليؤمّن المأوى، لو جاء الأسوأ.
حين قرر أن ينسحب من الضوء، لم يعلن ذلك.
فقط بدأ يتراجع قليلًا في القرارات.
لم يعد يفرض. لم يعد يصحح.
ترك لزوجته أن تدير شؤونها.
ترك لأبنائه مساحة كاملة ليخطئوا ويقرروا ويتحملوا.
لم يكن ضعيفًا… بل كان أخيرًا قويًا بما يكفي ليتراجع.
ولأن الضوء انسحب منه… لم يعد أحد ينتبه له كما في السابق.
صار موجودًا في الهامش.
حتى أفراد عائلته نسوا أنه كان يومًا مركزهم.
صاروا يتقدمون، يتخذون قرارات، يعيشون…
وهو خلفهم، يراقب، يبتسم من بعيد.
لا يعلّق، لا يعترض، لا يتدخل.
فقط يهيئ الأرض، إن احتاجوا السقوط.
لكن المسرحية كانت مستمرة،
والجميع يظنه ما يزال يمثل دوره القديم.
حتى جاء اليوم.
اليوم الذي صدقت فيه كل التحذيرات:
النيزك اقترب،
والمدينة على وشك أن تتلقى ضربة لا تشبه شيئًا مما عاشه الناس من قبل.
في ساعات قليلة، انهارت الأنظمة، انتشرت الفوضى، واختفى المنطق.
الناس يصرخون، يركضون، يهاجرون، يتشاجرون.
زوجته كانت تبكي.
أبناؤه صامتون لا يدرون ماذا يفعلون.
هو وحده كان هادئًا.
فتح الخزانة التي لم ينتبه أحد لها من قبل.
أخرج منها حقيبة كبيرة محكمة الإغلاق.
فيها كل شيء.
بترتيب لا يترك احتمالًا بلا جواب.
خطة نجاة. أجهزة. إحداثيات. تعليمات.
لم ينظر إليهم بتفاخر.
لم يقل “أخبرتكم”.
فقط قال: “تعالوا.”
لم يكن صوته عاليًا،
لكنه كان واضحًا.
قادهم إلى ملجأ جهّزه منذ سنوات.
مكان بسيط، آمن، ومجهّز بما يكفي ليمنحهم بداية جديدة.
ليس لأنه أراد النجاة…
بل لأنه أحبهم بما يكفي ليجهزهم للغد، حتى لو لم يكن فيه.
جلسوا هناك، بعد النجاة، صامتين.
لم يكن بينهم كلام كثير.
لكن حين نظر أحد أبنائه إليه،
كان في عينيه شيء لم يكن من قبل.
لم يكن يرى أباه القديم،
ولا صورته المتعبة التي ألفها…
بل كان يرى النسخة الحقيقية منه.
ولم يكن سالم ينتظر شيئًا.
لا تصفيق، لا عودة، لا حتى حكاية جديدة.
كان فقط… واقفًا،
ينظر للضوء من بعيد،
ويمضي في صمته،
كما لو أن كل ما فعله،
كان ليمنحهم فرصة… حين خفت ضوؤه.
#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبره #العائله
لباقي المقالات علي
aldeai.blogspot.com













تعليقات