مدينة البصمات الخفيّة
مدينة البصمات الخفيّة كان المسافرون يقولون إنّ في أقصى الأرض مدينة لا تظهر في الخرائط. وإن وصلتَ إليها، فلن تعرف كيف دخلت، ولا لماذا لم تهرب عندما سنحت لك الفرصة الأولى. كانوا يسمّونها مدينة البصمات الخفيّة مدينة لا تخطئ، ولا تنسى، ولا تجامل أحدًا. في اللحظة التي يدخل فيها الزائر بوابتها، يشعر كأنه تجرّد من شيء لا يعرف اسمه. الهواء هناك لا يشبه هواء المدن، وكأن الذرّات فيه تعرف من أنت قبل أن تنطق. فكل شيء، من الحجارة إلى الأرصفة، يحتفظ بأثر من يلمسه؛ أثر لا يبهت، ولا يمّحي، ولا يخضع للزمن. كان سكان المدينة يتحركون بهدوء مُربك، ليس خوفًا من البشر، بل خشية من آثارهم هم. فعندما يضع أحدهم يده على جدار، يلمع المكان بلونٍ خافت يكشف أثره السابق. وإن جلس على مقعد، يشتعل المقعد بضوءٍ رقيق يدل على حضوره القديم. لكن الأغرب لم يكن أثر اللمس أو الحركة… بل آثار لا يمكن لأحد أن يتحكم بها— خيط النَفَس الذي يبقى معلّقًا في الهواء، شعرة تسقط فتبقى متوهّجة للحظات، خطوة تترك ظلًا خفيفًا يرافق المكان حتى بعد رحيل صاحبها. كانت المدينة ترى الإنسان كما هو، لا كما يحاول أن يظهر. وحك...