قصة صرخة ضمير

 قصة صرخة ضمير



صرخ الضمير بقوة، لا في وجه شخصٍ بعينه، بل في وجه منظومةٍ أنهكت كاهل رجلٍ بسيط، كادح، لا يملك من الحياة إلا سعيه اليومي وراء لقمة العيش. ذلك الرجل الذي طحنته الأيام، واضطر أن يتلوّن بألوان لا تُشبهه؛ تارة يلبس منطق فلان، وتارة يجامل طباع المسؤول، وتارة يتمثل حنان الأب أو يتجلد أمام شدة الموقف، وكل ذلك ليبقى، فقط ليبقى.



وفي لحظة صمت داخلي، نظر العقل إلى القلب بنظرة عتبٍ عميقة، نظرة تنطق بكل ما يعيشه ذلك الرجل من ألم بسببه. كيف لا، فالقلب رغم صدقه عاطفي بطبعه، لا يقوى على قول “لا”، لا لمن يطلب، ولا لمن يشتكي، حتى إن كان الوقت غير مناسب، والجسد منهك، والهمّ متراكم. القلب يبرر للناس ويقسو على صاحبه، يحتضن العالم ويهمل بيته الداخلي. فهل كان عليه أن يحبّ الجميع على حساب نفسه؟


لكن ما أن اشتد الصراع، هنا ظن فيها العقل أنه المنتصر في المحاكمة ،حتى تحركت قيود الماضي… لا تلك التي تكبّل، بل التي نُحتت داخله كوشم من قيمٍ وتعاليمَ وأخلاقٍ زُرعت فيه وهو صغير، والتصقت بروحه تدافع عن عاطفة قلبه، تلك العاطفة النبيلة التي لم تكن وليدة اللحظة، بل ثمرة تربية. فقد غرس أبواه في صغره بذور الحب والحنان والوصال، وسقياه بتلك الرسائل الخفية: أن يكون رجلًا قلبه يتسع للجميع.


هنا قالت الأخلاق بداخله، ذلك الموروث النقي الذي غُرس فيه صغيرًا، لا كقيد بل كأرضية ثابتة… وقالت:


“دعوه، لا تُحاكِموه.

هذا القلب لم يكن ضعيفًا… بل مخلصًا. لم يخشَ الحب، بل احتواه. كان يستقبل الجميع، لا لأنه خائف، بل لأنه صادق في عاطفته.

أنا الأخلاق التي تشكّلت فيه، أنا تعاليم أمه، دعوات أبيه، أنا البذور التي نمت حين سقوه بالحنان.

إنه لم يتلوّن ليخدع، بل ليتلاءم. لم يصمت لأنه عاجز، بل لأنه نشأ على تقدير الناس.

وإن أخطأ في عدم قول (لا)، فالخطأ ليس في طيبته… بل في العالم الذي أساء فهم الطيبين.”


وفي هذه الأثناء ، وبينما كان هذا الصراع يعصف بداخله، وقف الرجل أمام بحيرة زرقاء، فاقعٌ لونها كأنها مرآة للسماء. نزل عليه رذاذ مطر خفيف، فبدأت قطراته تعزف أجمل الألحان على سطح الماء، على أوراق الشجر، على كتفيه المتعبتين. كانت تلك اللحظة أشبه بمعزوفة غفران، كأن السماء تقول له: لا بأس… لقد كنت تحاول أن تكون إنسانًا.



لكن العقل لم يستسلم لهذا السلام اللحظي… بل تحرك كقائد معركة داخل الجسد، يغزو الأعضاء، يفتش الذاكرة، ليستحضر مشهداً من الماضي البعيد كان يتجاهله الرجل منذ زمن. لحظة واحدة، دامية، غيّرت مسار كل شيء. لحظة لم يستطع والداه بعدها إكمال مشروع ابنهما الطيب، الحالم، صاحب القلب الكبير. لحظة كسر فيها شيء ما، فلم يعد الطفل كما كان، ولم يُكمِل ما بدأه، بل صار ما هو عليه اليوم: رجل يحمل قناع الرضا ويخفي وراءه صدى تلك اللحظة التي نزفت في قلبه دون أن تُعالج.



كانت لحظة قصيرة… لكنها حاسمة.


طفل صغير، في الثامنة من عمره، يقف في منتصف غرفة الجلوس، يحمل في يده ورقة رسم عليها قلبًا كبيرًا ملونًا بعناية، كتب فوقه بخط مرتجف: أحبكم… أبي وأمي.”

كان اليوم عيد زواجهما.


دخل الأب، عابس الوجه، يحمل همّ العمل والديون، يصرخ في الهاتف، يرمي مفاتيحه، ولا يرى الورقة.

الأم كانت في المطبخ، تعد لهذا اليوم أجمل الأطباق ملؤها الحب و الامتنان، بالكاد تنظر إليه.

قال بصوت خافت:

“شوفوا رسمتي…”



لكن أحدًا لم يلتفت.

تجمد الطفل في مكانه، ابتلع صوته، ونزلت دمعة خافتة على خدّه.

وفي لحظة غير مقصودة، جلس الأب على طرف الأريكة، فتمزقت الورقة تحت جسده دون أن يشعر.


لم يُكسر القلب في تلك اللحظة فقط… بل انطفأ فيه شيء.

لم يعد الحب كافيًا ليُرى. لم تعد النوايا النقية تُكافأ.

ومنذ ذلك اليوم، تعلم الطفل أن الحب الصامت لا يُسمع، وأن من يريد القبول يجب أن يقدّم شيئًا ملموسًا، مفيدًا، مناسبًا لتوقعات الآخرين.

تعلّم أن عليه أن “يتلوّن”، لا ليكذب، بل لينجو.


ومن تلك اللحظة… بدأ مشروع “الرجل الذي يتسع قلبه للجميع” يتوقف و ينطفئ نوره دفأه حبه، لأنه لم يجد من يستوعبه يراه يضمه حين احتاج.

لحظة واحدة… لم تكن مأساة كبرى، لكنها كانت الشرارة التي أشعلت صراع العمر.


وهنا… خرج القلب من صمته.


قال، بصوت لا يشبهه، صوت مملوء بمرارة الصبر الطويل:

“لا تلمني… بل انظر لما سقيتني إياه منذ الصغر. أنت من شكّلتني بهذه الطريقة. أنا لم أولد بهذا الانكسار، بل كنت مليئًا بالحب، بالدفء، بالأمل. لكنك أنت من أدرت ظهرك لي حين تمزقت الورقة. أنت من صورت الموقف وكأنه نهاية طفولة وبداية مسؤولية، دون أن تمنحني حق الاستمرار في حضن والدَيّ، ودون أن تسمح لهما بإكمال ما بدآه من غرس الحكمة والحب والامتنان.


أنت من استعنت بالجوارح، لتجعلني أرى ما حدث وكأنه خيانة عظيمة، لا تُغتفر…

ولم تخبرني يومًا أن بإمكاني رسم الورقة من جديد.”


صمت العقل، لأول مرة، بلا رد ، غارقًا في صدى الكلمات.

كانت كلمات القلب كالسيف، لا تُجادَل، ولا تُنسى.

وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال: من السبب؟

بل: ما الذي بقي؟ وهل يمكن للورقة أن تُرسم من جديد، ولو بعد كل هذا الزمن؟


ساد السكون بعد دفاعها، وكأن العالم كله توقّف لوهلة.


نزلت قطرات من الدموع، بطيئة، حارة، صادقة…

واختلطت بالمطر الذي كان لا يزال يعزف على صفحة الماء.



كان ذلك الامتزاج غريبًا… كأنه شيء خارج قوانين الطبيعة؛

شيء دمج الهدوء الخارجي بالصفاء، وجعل من الشاعرية التي تحيطه مرآةً لما بداخله…

ليتداخل الجمال بالحزن، والسكينة بالألم، والمطر بالدموع، في صمتٍ مهيب جعل الجميع يتوقف — العقل، القلب، الأخلاق، وحتى الضمير.


وفي لحظةٍ خاطفة، كأنها رؤيا أو ومضة من حياة أخرى…

تحوّل اختلاط الدموع بالمطر إلى عدسة شفافة، كأنها مجهر وُضع على عينيه.

وفجأة… رأى.


رأى على الضفة المقابلة للبحيرة رجلاً واقفًا، ملامحه لم تتغير رغم مرور الزمن.

خاله… الأقرب إلى قلب والدته، والذي كان في صغره يُشبهها بطريقة حديثه، بابتسامته، بصمته الحنون.

كان يقف هناك كأنما خرج من الذاكرة لا من الواقع، يحمل في يده شيئًا صغيرًا، يلوّح به بخفّة.



وما إن ركّز النظر… حتى خفق قلبه.

لقد تذكّر.


الرسالة التي أعطاه إياها خاله يوم جنازة والديه، وقال له:

“هذه من أمك… كتبتها لك قبل يوم الحادث، و وجدها من ضمن مقتنياتها في حقيبتها يوم الحادث”

لكنه لم يفتحها.

كان قلبه أصغر من أن يحتمل، وروحه مثقوبة بما يكفي.

فظلّت الرسالة في جيبه، حبيسة القماش والرهبة، يبدّل ستراته لكنها لا تفارقه، كأنها تنتظر هذه اللحظة.


مدّ يده بتردد إلى جيبه.

لم تكن الرسالة ثقيلة، لكن أصابعه كانت ترتعش كأنها تمسك بذاكرته كاملة.



ربما… حان الوقت ليقرأ.


وقبل أن يعود لواقعه المُرّ، تحرّك لا إراديًا، كأن يدًا خفية تقوده بخطى ثقيلة، يجرّ معها ذاكرة غارقة في الدفء. ترك خلفه الصراع، للحظة فقط، وانجرف مع لحظات حملته إلى زمن البهجة والسرور، إلى حضن الحب الذي عاشه بين والديه. كان يسير على الطريق ذاته، لكن داخله كان يعيد ترتيب معركته، يحاول أن يلملم جراحه، ويتفقد ما تركه كل هذا الألم من أثر.”


وبينما كان يُعاين ندوب تلك المعركة، لمعت داخله مشاعر لم يعهدها من قبل، شعور لم يستطع أن يسميه، لكنه أيقن أنه لم يكن وليد اللحظة، بل كان يسكن بين الضمير والأخلاق، ويجمع في طياته شيئًا من المفهوم، والمعرفة، والتحليل. مزيج داخلي غامض… لكنه عميق. هذا الشعور فتح له بابًا لاسترجاع ما قاله العقل حين لام القلب، وما دافع عنه القلب حين احتدم الألم.”


ومع هذا الانكشاف، أدرك فجأة أنه يعيش داخل قالب محكم… قالبٌ تُحكم حدوده عبر الأسرة، والتعليم، والثقافة، والدين، والقوانين، والمجتمع. ينشأ فيه الإنسان وهو يظن أن ما يراه هو “الحق”، وما يمارسه هو “الطبيعي”، وما يُمنع عنه هو “العيب” أو “الخطر”.



لكن الحقيقة بدأت تتكشف أمامه… ليست كل الحدود التي تحدنا صحيحة. بعضها صُمّم ليضبطنا لا ليحررنا. بعضها جُعل ليحصر رؤيتنا لا ليوسّعها. وهنا، بدأ يدرك أن المعركة التي عاشها لم تكن مع الناس أو الحياة… بل مع القالب ذاته.”


أوضح له ذلك الشعور العميق أن الاحترام لا يعني التقديس، وأن المحبة لا تعني الطاعة العمياء. فبعض الحدود تُزيّن بألفاظ “الواجب” و”البر” و”الحياء”، لكنها تُعيق نمو الروح وتطوّر الفكر. وفي المقابل، بعض الأفكار التي تبدو “قاسية” أو “شاذة” قد تكون المفتاح الوحيد لتحطيم قفص واسع، يحبسنا رغم اتساعه… لأنه دون وعي، دون اختيار.”



“ومع كل فكرة كانت تنكشف له، كان يسير بخطى أثقل، كأن الطريق ذاته بدأ يتشكل من داخله. وفجأة، وجد نفسه عند مفترق طرق… لا مجازًا، بل حقيقة. طريق عن يمينه يعود به إلى واقعه الحالي، بكل ما فيه من مرارة وخنوع واستسلام لقوالب لم يخترها، لكنه ارتضاها طويلاً. وطريق آخر يسلك يساره، يقوده إلى بيته القديم، حيث عاش بين والديه، حيث البدايات، وحيث كل شيء كان نقيًّا قبل أن يُلوّثه العالم.


وقف حائرًا… ينظر إلى كلا الطريقين، ليس بعينيه فقط، بل بقلب أنهكته المعارك، وعقل أنهكته الأسئلة. لم يكن القرار مجرد اتجاه جغرافي، بل كان قرارًا وجوديًا: هل يعود إلى ما يعرفه، أم يتجه نحو ما دفنه؟”



وفي لحظة صمتٍ ممتدة، عاد إليه صوت أبيه، دافئًا كما كان دائمًا، يقول:

‘افعل ما تجد نفسك فيه… دون أن تُهمل نفسك بين الآخرين. اجتهد بحواسك لتستمتع بالحياة… ولا تكن خادمًا لها.’


ترددت الكلمات داخله كأنها خرجت الآن من فم أبيه لا من ذاكرته، كأنها أرسلت له من الضفة الأخرى للحياة، لتضيء له ما أظلم. أحسّ حينها أن الطريق ليس مجرد مفترق… بل اختبار أخير: هل سيخون صوته الداخلي مرة أخرى، أم سينصت له أخيرًا؟”



قال لنفسه، بصوت يكاد يُسمع: ‘يجب أن أستعيد السيطرة… على حياتي، على حواسي.’

السيطرة التي طالما ظنّها وسيلة للتنظيم… اكتشف الآن أنها تحوّلت، دون أن يشعر، إلى أداة للهيمنة، ثم إلى تقنية لإنتاج عبودية طوعية… عبودية يشارك فيها بإرادته، باسم الواجب والنجاح والمثالية.


أدرك أن الوقت قد حان… لا ليغيّر طريقه فقط، بل ليكسر القالب الذي شُكّل فيه منذ الطفولة، ويعيد تشكيل نفسه بوعي، لا ببرمجة.”



ودون أن يقرر إلى أي طريق يتجه، وجد نفسه يقف عند باب بيت والديه… كأن قدميه قادته قبل أن يعي. هناك، حيث كانت البدايات، سمع همسات والده في صغره، وضحكة أمه تدفئ الأرجاء. أحس بدفء ينساب في عروقه، بنورٍ داخلي يضيء المكان، وكأن البهجة لم تغادره يومًا.


لكن عينيه رأت شيئًا آخر… بيتًا مهملًا، تقف جدرانه على شرفة الانهيار، يعلوه الغبار وتخنقه رائحة الغياب. التناقض بين ما يراه وما يشعر به كان صارخًا… لكنه لم يُنكر لحظةً أن البيت، رغم كل شيء، احتضنه كما لم يفعل أحد منذ سنين.”



وحين خطا أول خطوة إلى الداخل، لم يسمع صوتًا بشريًا… بل كانت الكلمات تسكن الجدران، تدور في زوايا المكان، في الممر، على الأثاث، بين الصور القديمة. لم تكن كلمات عتاب، ولا شوق، ولا ترحيب، ولا حتى حنين… بل رسائل، رسائل من نوع آخر:


‘السمو… ليس رفاهًا روحيًا، بل مسؤولية كبرى.

وليس مقامًا ثابتًا، بل سُلَّم لا نهاية له.

وهو ليس بمنأى عن الزلل أو التراجع، بل يثبت حين تظل تتقدم رغم السقوط.

الفرق بين من يسمو… ومن يظن نفسه ساميًا، هو الصدق:

أن يعرف نفسه، ويقف أمام الله عاريًا من الأوهام، طالبًا حقيقة… لا مجدًا.’


كانت الجدران تقولها دون صوت، وكان قلبه يرددها دون أن يدري. شعر حينها أن المنزل لا يذكره فقط… بل يعاتبه برفق، يربت عليه، يدعوه للصدق مع نفسه.”



“مدّ يده إلى جيبه، حيث الرسالة التي رافقته سنواتٍ بصمت… كانت مطوية كما تركها، قديمة في شكلها، ثقيلة في معناها. فتحها بتردد… كمن يفتح بابًا لماضٍ لم يملك الشجاعة لدخوله من قبل.



في داخل الرسالة… كانت هناك صورة. صورة قديمة تجمعهم جميعًا: هو، وأمه، وأباه، وخاله… وكل من شكّلوا قلبه يومًا. كانت الصورة تحمل عبارة بخط والدته: ‘هذا نبع الحب.’


لكن لم تكن الصورة ما فجّر الدموع داخله… بل الورقة الصغيرة المطوية خلفها. الورقة التي رسمها وهو صغير، تلك التي مزقت بدون قصد ذات مرة حين شعر أنهم لم يلتفتوا لحبه… ها هي الآن، قد أُصلحت بعناية، مرقّعة بشريط شفاف، وكل تجعيد فيها يحمل أثر يده وطفولته.


وعليها، بخطٍ ناعم لكنه ثابت، كُتب:

‘ونحن نحبك… أنت كنزنا، وبصمتنا في الحياة.’



في تلك اللحظة، لم يحتمل جسده وقع الرسالة… ارتجفت شفتاه، وانفجرت دموعه بلا مقاومة، وسرت قشعريرة في كل خلية فيه. شعر كأن الزمن توقف… لا ليلومه، بل ليحتضنه أخيرًا.”




#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات علي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات