المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف مقالات ،هواجس

ما يفهمه القلب فقط

صورة
ما يفهمه القلب فقط كان المشهد عاديًا لولا ذلك اللمعان الذي سقط في عينه فجأة. جلس صديقه بشكل هادئة على نحوٍ يثير الغيرة: ضوءٌ خفيف، جلس بشكل مريح ، وكوب شاي أمامه يتصاعد منه بخار دافئ، ومعه رائحة ذات عبق خفيف، كأنها قادرة على تبديد التعب كله. لم يفهم سرّ انجذابه لما يراه لكن اللون… اللون وحده كان كافيًا. لونٌ صافٍ يميل إلى الذهبي، يلمع كأنه الشراب المثالي في ذلك الوقت من اليوم. لحظة واحدة فقط كانت كافية ليشعر أن كل ما بيده أقل، وأن ما لدى صديقه هو ألذّ   شاي   يمكن   أن   يمرّ   به   هذا   المساء. غلبه الفضول. اقترب، ابتسم، وطلب رشفة—تلك الرشفة التي كان يظن أنها ستمنحه طعمًا يوازي جمال المشهد. لكنه ما إن تذوّق حتى باغتته المرارة… مرارة صامتة، تكاد تقول له شيئًا لم يقله أحد. رفع صديقه عينيه وقال بهدوء لا يشبه طعم الشاي: « أنا   مريض   بالسكر،   أضطر   أحيانًا   لشاي   بلا   سكر …  ولو   بدا   جميلًا .» تجمّدت حوله لحظة قصيرة، كأن البخار نفسه توقف عن الحركة. كان المشهد نفسه—اللون، الرائحة، الجلسة—لكن الحقي...

خيطٌ خفيّ يصنع الحياة

صورة
خيطٌ خفيّ يصنع الحياة هناك خيطٌ خفيّ يمتدّ بين كل شيء نراه… يمرّ داخل الحيوان الذي يجري في الغابة، وبين أوراق النبات التي تنحني نحو الضوء، وحتى في صمت الصخور التي لا تتحرك. خيطٌ لو انقطع، لاختلّ الكون من أصغر ذرة إلى أكبر جبل. هذا الخيط ليس سحرًا ولا لغزًا غامضًا… إنه رحمة الله التي وضعها في سنن خلقه؛ في الغرائز، والقوانين، والوظائف، لكل مخلوق بحسب ما خُلق له. ١. الغريزة… الطريق الذي يعرفه كل حيّ الحيوانات تعرف طريقها دون تعليم: الغزالة تهرب من الخطر، الطائر يهاجر إلى مكان لم يره، والأم تحتضن صغيرها من اللحظة الأولى. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾  ( طه : 50) وتفسير ابن كثير: أعطى   كل   مخلوق   ما   يصلحه،   ثم   هداه   لكيفية   استعماله. هذه هي الهداية الفطرية… قانون واضح، لكنه يعمل في الخفاء. ٢. النبات… حركة بلا وعي ولكنها دقيقة النبات يتجه نحو الضوء، ويغرس جذوره في اتجاه الماء، ويدافع عن نفسه بطرق يعرفها دون معلّم. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾  ( ا...

تبادل الأدوار … رسالة أب

صورة
  تبادل الأدوار … رسالة أب يا بُني، تعلمت مع العمر أن السفر ليس مجرد غياب، بل امتحان للقلب. في لحظة الوداع يثقل الصدر، وفي الغياب يكبر الشوق، لكن يبقى الأمل باللقاء هو ما يخفف عنّا التعب. المشاعر تتغير، أحيانًا تُتعب الجسد وتسرق النوم، وأحيانًا تليّن الروح وتجعلها أقرب للرحمة. وكلما أحببت أكثر، شعرت بالغياب أكثر. وكلما كبرتُ في العمر، عرفت أن الصبر هو ما يجعل الانتظار أهون. رأيتُ الأم تبكي على ولدها كأن قلبها خرج معها، ورأيت الأخت تفقد سندها حين يغيب أخوها، والابنة يضيع منها الأمان بغياب أبيها، والزوجة يثقل يومها فراغ غياب زوجها. أما الأب… فأعرف شعوره جيدًا. الأب لا يُظهر ما بداخله، يخفي أضعاف ما يظهر. ومع العمر يزداد تعلقه بأبنائه، ليس لأنه ضعُف فقط، بل لأنه يريد أن يرى فيهم امتدادًا لقوته، بعدما قضى عمره في التعب، يشق الطريق، ويُسهّل الحياة لمن بعده. يا بُني، علمتك أن تكون في المقدمة، أن تتحمل المسؤولية. كنتُ دائمًا أمامك، أمهّد لك الطريق. لكن حين كبرتَ، بدأتَ تشق طريقك أنت وتبتعد شيئًا فشيئًا عن طريقي. وهذا طبيعي. لكن تذكّر: ليس المطلوب دائمًا أن نفتح طرقًا جديدة، أحيانًا يكفي أ...

الشعر

صورة
  الشعر رحلة   عبر   الزمان   والروح   الإنسانية منذ   أن   خطت   البشرية   خطواتها   الأولى   على   هذه   الأرض،   كان   هناك   صوت   خفي،   نبض   وجداني   يتجاوز   حدود   الكلمات العادية .  هذا   الصوت   هو   الشعر،   فن   يتغلغل   في   أعماق   الروح،   يترجم   موقفًا،   شعورًا،   إحساسًا،   صورةً،   أو   حتى   حلمًا   إلى نغمات   خالدة .  وُلد   الشعر   من   الحاجة   الفطرية   للتعبير،   ليرسم   لوحات   من   الجمال   والمعنى،   محلقًا   بوعي   الإنسان   إلى آفاق   لم   تبلغها   النثرية   الجامدة . لم   يكن   الشعر   حكرًا   على   قوم   دون   آخر .  ففي   كل   حضارة،   وعبر   كل   العصور،   اتخذ   الشعر   أشكالا...