المشاركات

لا أرغب بالذهاب

صورة
  لا أرغب بالذهاب قالها قبل أن يُطلب منه شيء. كان صالح جالسًا في شرفة منزله، يمسك فنجان القهوة دون أن يشرب… كأن الدفء فيه لم يعد يعنيه. الهواء رطب، يلتصق بالجلد، والمدينة تمضي… كأنها لا تراه. من الأسفل جاء الصوت: “صالح! تعال… السوق اليوم مزدحم، العيد قريب.” لم ينظر. قالها بهدوء: “شكرًا يا بوعثمان… لا أرغب.” في الداخل، ضوء التلفاز يلمع على وجوههم، ضحكات تتقاطع… وحياة تمضي بطريقتها المعتادة. “نروح السينما؟” “يلا…” “بابا، تعال معنا.” حرّك الفنجان بين يديه، وصوت الملعقة كان أوضح من صوته: “لا أرغب بالذهاب.” لم تكن إجابة… كانت نهاية كل سؤال. مساء الثلاثاء، خرجوا جميعًا. إلى شارع المقاهي في الخلف، حيث الأضواء معلّقة، والأصوات أعلى من أن تُفهم. وبقي هو. في الشرفة… حيث الصمت لا يزعج، بل يتركك كما أنت. المنزل خالٍ، إلا من أشياء تعرف أماكنها دون أن تُرى. الشارع أمامه يمرّ به القليل، وجوه عابرة… لا تسأل. ثم… صوت باب. دخل ابنه. اقترب، قبّل رأسه، وجلس دون استعجال. “ها أنت يا أبي…” نظر إليه قليلًا، “لم تذهب معهم؟” لم يرد. “تجلس هنا دائمًا…” تردد، ثم قال: “كأنك… غير سعيد.” حرّك الأب الفنجان، ونظر ...

أصبحتُ نملة

صورة
  أصبحتُ نملة كم عشت مما جمعت؟ هناك من لا يتحول إلى نملة في الشكل، بل في طريقة العيش. لا يحمل شيئًا على ظهره، لكنه يحمل خوف الغد في داخله. يحسب، ويقيس، ويؤجل، ليس لأنه يريد المزيد، بل لأنه يخشى أن يأتي يوم لا يجد فيه ما يكفي. في صورة خيالية، تبدو النملة كأنها لا تثق في الوفرة حتى وهي تقف فوق السكر. تتعامل مع المتاح كأنه مؤقت، فتأخذ قليلًا، وتخفي كثيرًا، وكلما توفر لها شيء، ازداد حرصها عليه. ومع الوقت، لا يعود الادخار قرارًا، بل يتحول إلى طبع. عادة صامتة، لا هدف واضح لها، إلا شعور غامض بالأمان. وهكذا بعض الناس. لا يعيشون الفقر، لكنهم يعيشون احتمالَه. يملكون، لكن لا يستخدمون. يؤجلون، لكن لا يحددون متى ينتهي التأجيل. يتحوّل الحذر تدريجيًا إلى اكتناز، والاقتصاد إلى حرمان غير معلن، ويصبح الانتظار أسلوب حياة. ثم تأتي لحظة لا تُخطط لها. دعوة سفر تم تأجيلها مرارًا. شيء جميل محفوظ “لوقت أنسب”. مال مدّخر ليوم غير محدد. وفي يوم عادي، يرى غيره يستخدم ما كان هو يؤجله. يسافر دون تعقيد، يفرح دون حساب طويل، ويصنع ذكريات لا تُؤجَّل. ينظر بصمت. لا حسد، ولا غضب، فقط إدراك متأخر. كأنه يرى فجأة النفق ا...