اللغة الثامنة
اللغة الثامنة
في ربيع عام 2226، وأثناء أعمال حفر في موقع أثري، اصطدمت آلة الحفر بجسم معدني صغير.
لم يكن صندوقًا.
بل أسطوانة محكمة الإغلاق، لم يعلها الصدأ كما توقعوا.
وحين فُتحت، لم يجدوا ذهبًا، ولا خرائط، ولا وثائق سرية.
وجدوا ورقة واحدة.
وفي أعلاها كُتب:
“إذا وصلتكم هذه الرسالة… فهذا يعني أن بيننا مئتي عام من الأسئلة.”
إلى علماء المستقبل…
لا أعرف كم أصبح عمر حضارتكم عندما تقرؤون هذه الكلمات.
ولا أعرف إن كنتم ستنظرون إلينا كما ننظر نحن إلى من ظن أن الشمس تدور حول الأرض، أو أن البرق غضب من السماء.
ففي كل عصر، كان الإنسان يعتقد أنه فهم العالم… حتى يكتشف أنه لم يكن يرى إلا الجزء الذي امتلك أدوات قياسه.
ولهذا لا أكتب إليكم لأقدم حقيقة.
بل لأترك لكم سؤالًا.
ربما كان بسيطًا…
وربما كان أكبر مما تخيلنا جميعًا.
نحن نعتقد أن اللغة تبدأ حين يتحرك اللسان.
ثم اكتشفنا أن الأمر ليس كذلك.
فقد تكذب الكلمات…
بينما يصدق الصوت.
وقد يبتسم الوجه…
بينما تفضح العين صاحبه.
ثم اكتشفنا أن الجسد كله يتحدث.
طريقة الوقوف.
طريقة المصافحة.
سرعة التنفس.
ارتجافة اليد.
اتساع الحدقة.
حتى الصمت… اكتشفنا أنه قد يكون جملة كاملة.
وظننا أننا اقتربنا من فهم اللغة.
لكن شيئًا صغيرًا ظل يزعجني.
اكتشفنا أن الجسد لا يتحدث مع الآخرين فقط…
بل يتحدث مع صاحبه أيضًا.
الجوع رسالة.
العطش رسالة.
الألم رسالة.
تسارع النبض رسالة.
انقباض المعدة قبل خبر سيئ رسالة.
ارتخاء العضلات عند الاطمئنان رسالة.
كل خلية في أجسادنا تكاد تكون جزءًا من شبكة هائلة لا تتوقف عن إرسال الرسائل واستقبالها.
وهنا توقفت طويلًا.
إذا كانت مليارات الخلايا تستطيع أن تتحدث فيما بينها…
وإذا كانت عشرات الأعضاء تتبادل الرسائل في كل ثانية…
فلماذا افترضنا أن حدود الجسد هي نهاية كل رسالة؟
لا أقول إنها ليست كذلك…
لكنني أتساءل فقط…
لماذا افترضنا ذلك؟
هناك مواقف لا أستطيع نسيانها.
ولست أظن أنني الوحيد.
زوجان يجلسان أمام التلفاز.
لا حديث.
ولا نظرات.
ولا سؤال.
وفجأة تقول الزوجة:
“أشعر أن هناك شيئًا يزعجك.”
يلتفت إليها بدهشة.
لم يكن قد نطق بكلمة.
ولم يكن قد اعترف لنفسه أصلًا بما يشعر به.
فكيف وصلها ما لم يصل إليه بعد؟
وأم تستيقظ قبل الفجر.
ليس بسبب صوت.
ولا حلم واضح.
ولا اتصال.
فقط شعور لا تعرف مصدره.
تمد يدها إلى الهاتف.
وفي الطرف الآخر…
كان ابنها يحتاجها فعلًا.
وتوأمان…
يفصل بينهما محيط.
لكن أحدهما يستيقظ في اللحظة نفسها التي يعيش فيها الآخر حدثًا غيّر يومه كله.
أعرف ما قد يخطر ببالكم.
المصادفات موجودة.
والذاكرة تنتقي ما يوافق توقعاتها.
وهذا صحيح.
لكن سؤالي ليس:
“هل هذه القصص صحيحة؟”
بل:
“لماذا تتكرر بالوصف نفسه، بين شعوب لم تعرف بعضها، وفي أزمنة لم تتشارك ثقافة واحدة؟”
لماذا تظهر الفكرة نفسها بأسماء مختلفة؟
حدس.
إحساس.
راحة.
نفور.
قلق مفاجئ.
اشتياق لا تفسير له.
كأن الجميع يصف الشيء نفسه…
لكن بلغات مختلفة.
في زمننا، كان من السهل أن نقول:
“العلم لم يثبت ذلك.”
وكان هذا جوابًا صحيحًا.
لكنه لم يكن نهاية السؤال.
لأن التاريخ علّمنا أن غياب الدليل لا يعني دائمًا غياب الظاهرة.
كانت الجراثيم موجودة قبل المجهر.
وكانت الموجات اللاسلكية تعبر الهواء قبل أن نصنع أول جهاز استقبال.
وكانت الجاذبية تؤثر في كل شيء قبل أن يكتبها أحد في معادلة.
لم تبدأ هذه الأشياء بالوجود يوم اكتشفناها.
بل بدأنا نحن برؤيتها.
لهذا لا أطلب منكم أن تصدقوا فرضيتي.
بل أتمنى فقط أن تكونوا قد امتلكتم أدوات أفضل من أدواتنا.
فربما اكتشفتم أن ما سميناه “حدسًا” لم يكن حدسًا.
وأن ما سميناه “شعورًا” لم يكن مجرد شعور.
وأن ما حسبناه مصادفات متفرقة…
كان أجزاءً من ظاهرة واحدة لم نعرف كيف نجمعها.
قد تكتشفون في زمنكم أنني كنت مخطئًا.
وسيكون ذلك انتصارًا للعلم.
لكن…
ماذا لو اكتشفتم أنني كنت أسأل السؤال الصحيح؟
ماذا لو كان بين البشر نوع من التواصل لا يعتمد على الكلمات، ولا على النظر، ولا على الإشارة؟
ليس تخاطرًا كما تخيلته الروايات.
وليس سحرًا كما وصفته الأساطير.
بل نظامًا طبيعيًا، تعمل به الحياة منذ بدايتها، بينما كنا نفتش عنه في المكان الخطأ.
إن حدث ذلك…
فلا أطلب أن يُكتب اسمي في كتبكم.
ولا أن تُنسب إليّ الفكرة.
أريد فقط أن أعرف شيئًا واحدًا…
هل كنا نشعر بها فعلًا؟
أم أن عقولنا كانت تخدعنا طوال الوقت؟
وقبل أن أطوي هذه الرسالة…
هناك احتمال لم يفارقني.
ربما أخطأنا حين سميناها اللغة الثامنة.
لأننا افترضنا أن الكلمات كانت البداية.
لكن ماذا لو كانت البداية أقدم من ذلك بكثير؟
ماذا لو كان الإنسان قد تعلّم الإحساس قبل الكلام…
وفهم الطمأنينة قبل الحروف…
وشعر بالخطر قبل أن يخترع أول كلمة تصفه؟
إذا كان الأمر كذلك…
فربما لا تكون هذه هي اللغة الثامنة.
ربما تكون…
اللغة الأولى.
اللغة التي كانت أجسادنا تعرفها…
قبل أن تتعلم أفواهنا الكلام.


تعليقات