علاقتي بالأحلام


علاقتي بالأحلام                    


لا أتذكر أول حلم رأيته في حياتي.


لكنني أتذكر أن الأحلام كانت هناك دائماً.


منذ طفولتي المبكرة، كنت أنام لأدخل عالماً آخر لا يشبه عالمي. أضحك أحياناً دون أن أعرف السبب، وأستيقظ أحياناً باكياً من شيء أخافني ولا أستطيع وصفه. أركض خلف أمور تسعدني، وأهرب من وحوش لا وجود لها إلا في ذلك العالم الغريب الذي يظهر كل ليلة ثم يختفي مع أول ضوء للصباح.


لم أكن أفهم شيئاً.


كيف أرى وأنا نائم؟


كيف أسمع وأشعر بالخوف والفرح بينما عيناي مغلقتان وجسدي ساكن فوق فراشه؟


وكيف يخلق عقلي كل هذه القصص دون أن أطلب منه شيئاً؟


كبرت قليلاً، وتغيرت الأحلام.


لم تعد مجرد وحوش ومطاردات.


أصبحت تحكي يومي بطريقة أخرى.


الأشياء التي أخشاها تظهر بأشكال مختلفة. المواقف التي أسعدتني تعود بصورة أجمل. الكلمات التي لم أقلها، والمشاعر التي لم أستطع التعبير عنها، كانت تجد طريقها إلى أحلامي.


وكأن عقلي يجلس بعد انتهاء اليوم ليعيد رسم ما عشته، لكن بلغة لا تستخدم الكلمات، بل الصور والأحاسيس.


ثم جاءت المراهقة.


واتسعت الأحلام كما اتسعت الحياة.


بدأت أرى المستقبل كما أتخيله. نجاحات أحلم بها، وأماكن أريد الوصول إليها، وأشخاصاً لم أقابلهم بعد. كنت أعيش سنوات كاملة خلال ساعات قليلة من النوم.


أحياناً كنت أستيقظ متحمساً.


وأحياناً أخرى خائفاً من مستقبل لم يحدث بعد.


ربما كانت تلك الأحلام مجرد انعكاس لطموحاتي ومخاوفي.


وربما كانت طريقة العقل في تحليل الاحتمالات وتجربة الطرق الممكنة قبل أن أسلكها في الواقع.


ومع مرور السنوات بدأت تظهر أحلام مختلفة.


أحلام لا تبدو منطقية.


أماكن لا أعرفها.


وجوه مجهولة.


صور متقطعة.


أحداث لا تحمل بداية واضحة ولا نهاية مفهومة.


هنا بدأت رحلة البحث.


قرأت عن تفسير الأحلام.


واستمعت إلى من يربطها بالمستقبل، ومن يربطها بالعقل الباطن، ومن يربطها بالرموز والدلالات.


كنت أبحث عن معنى لما أراه.


لكن شيئاً آخر بدأ يحدث.


أحلام قصيرة وعابرة.


مشهد لا يتجاوز ثواني.


حوار عادي.


مكان لا أعرفه.


ثم أنسى كل شيء.


وبعد أسابيع أو أشهر أقف فجأة داخل المشهد نفسه.


أسمع الكلمات نفسها.


وأرى الوجوه نفسها.


للحظات أشعر أن الزمن توقف.


ثم أتذكر الحلم.


حاولت تفسير الأمر.


هل هي مصادفة؟


هل هي لعبة من ألعاب الذاكرة؟


هل رأيت المستقبل فعلاً؟


لم أجد جواباً.


وكما يبدو، لم يجد أحد جواباً نهائياً حتى اليوم.


وبقي السؤال معلقاً في مكانه.


لكن فضولي لم يتوقف.


قرأت عن الأحلام الواعية وإمكانية التحكم بالأحلام. عن أشخاص يدركون أنهم يحلمون وهم ما زالوا نائمين. عن محاولات لتوجيه الحلم أو تغيير أحداثه أو العودة إلى أماكن معينة داخله.


بدت الفكرة غريبة.


كيف يمكن للإنسان أن يكون نائماً وواعياً في الوقت نفسه؟


لكنني جربت.


بدأت أدوّن أحلامي.


أراقبها.


أبحث عن الأنماط المتكررة.


أتعامل معها أحياناً كما يتعامل الباحث مع ملاحظاته.


كنت أبحث عن تفسير.


أو ربما كنت أبحث عن نفسي.


ثم مرت السنوات.


وكبرت.


وكبر جسدي معي.


في طفولتي كنت أظن أن الأحلام مجرد قصص.


وفي شبابي ظننت أنها رسائل من العقل.


ثم قضيت سنوات أبحث في معانيها وتفسيراتها.


لكنني لم أكن أنتبه إلى شيء كان يحدث بصمت.


الجسد بدأ يتغير.


ظهرت الأمراض التي لا يعرفها الأطفال.


وبدأت بعض أعضاء الجسد تحتاج إلى متابعة دائمة.


وفي تلك المرحلة حدث أمر لم أكن أتوقعه.


أصبحت بعض الأحلام أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.


أكثر إلحاحاً.


وأشد واقعية.


كان يرافقها دائماً شعور بأن شيئاً ما ليس على ما يرام.


وكأن أحداً يحاول إيقاظي.


في البداية لم أربط بين الأمرين.


ثم وضعت جهازاً لمتابعة مستوى السكر في الدم.


وفي إحدى الليالي استيقظت مذعوراً من حلم غريب.


كنت أبحث عن مخرج من مكان لا أعرفه.


كل الأبواب مغلقة.


وكلما حاولت الوصول إلى الخارج شعرت بأن الوقت ينفد.


فتحت عيني.


كان قلبي يخفق بسرعة.


وفي اللحظة نفسها تقريباً صدر صوت الإنذار.


انخفاض حاد في مستوى السكر.


لم أهتم كثيراً.


ثم تكرر الأمر.


ثم تكرر مرة أخرى.


وفي كل مرة تقريباً كان هناك حلم.


وفي كل مرة تقريباً كان هناك إنذار.


حتى تحولت المصادفة إلى نمط لا يمكن تجاهله.


حينها شعرت أن سنوات طويلة من البحث بدأت تتخذ اتجاهاً مختلفاً.


ماذا لو أن بعض الأحلام التي قضيت عمري أبحث عن تفسيرها لم تكن رسائل من المستقبل؟


ماذا لو أنها لم تكن انعكاساً للعقل الباطن فقط؟


ماذا لو أن المرسل كان أقرب بكثير مما تخيلت؟


ماذا لو كان الجسد نفسه؟


ذلك الجسد الذي يعمل بصمت منذ عشرات السنين.


فإذا حدث خلل ما أثناء النوم، كيف يخبر صاحبه؟


لا يملك الكلمات.


ولا يستطيع أن يوقظه بيده.


فربما يحوّل رسالته إلى حلم.


إلى خوف.


إلى مطاردة.


إلى قصة كاملة هدفها الوحيد أن أفتح عيني.


لكن هذا الاكتشاف لم يمنحني الإجابة.


بل منحني سؤالاً جديداً.


إذا كان الجسد قادراً على تحويل الخطر إلى حلم، وإذا كانت بعض الأحلام وسيلة لإيقاظ النائم عند حدوث خلل ما داخله، فماذا عن بقية الأحلام؟


ماذا عن تلك الأحلام التي نستيقظ بعدها مبتسمين؟


ماذا عن الأحلام التي نلتقي فيها بأشخاص فقدناهم منذ سنوات؟


أو نزور فيها أماكن لم نرها قط، فنشعر براحة وطمأنينة أكبر مما نشعر بهما في حياتنا اليومية؟


إذا كانت الكوابيس جرس إنذار…


فما هي الأحلام السعيدة؟


هل هي أيضاً رسالة؟


ولكن من نوع آخر؟


هل يحاول العقل مواساتنا كما يحاول الجسد حمايتنا؟


لا أعرف.


وكلما ظننت أنني اقتربت من فهم الأحلام، اكتشفت أنني فهمت جزءاً صغيراً فقط.


فبعضها يشبه الذكريات.


وبعضها يشبه الأمنيات.


وبعضها يشبه التحذيرات.


وبعضها يشبه ألغازاً لا تحمل أي تفسير واضح.


ولهذا لم أعد أبحث عن إجابة واحدة.


لأن الأحلام تبدو أكبر من أن تختصر في تفسير واحد.


لكن السؤال الذي عاد إليّ بعد كل هذه السنوات هو السؤال نفسه الذي سألته وأنا طفل:


كيف أرى وأنا نائم؟


كيف أسمع وأشعر وأعيش قصصاً كاملة بينما عيناي مغلقتان؟


لا أعرف.


وربما لهذا السبب ما زلنا، بعد آلاف السنين، نغلق أعيننا كل ليلة وندخل ذلك العالم الغامض نفسه.


نراه.


ونعيشه.


ونشعر به.


ثم نعود منه حاملين أسئلة أكثر من الأجوبة.


أما الحقيقة الكاملة…


فربما ما زالت تنتظرنا في حلم قادم.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

ليس كل من فيها… منها

ما يفهمه القلب فقط