أصبحتُ نملة
أصبحتُ نملة
كم عشت مما جمعت؟
هناك من لا يتحول إلى نملة في الشكل،
بل في طريقة العيش.
لا يحمل شيئًا على ظهره،
لكنه يحمل خوف الغد في داخله.
يحسب، ويقيس، ويؤجل،
ليس لأنه يريد المزيد،
بل لأنه يخشى أن يأتي يوم لا يجد فيه ما يكفي.
في صورة خيالية،
تبدو النملة كأنها لا تثق في الوفرة حتى وهي تقف فوق السكر.
تتعامل مع المتاح كأنه مؤقت،
فتأخذ قليلًا،
وتخفي كثيرًا،
وكلما توفر لها شيء،
ازداد حرصها عليه.
ومع الوقت،
لا يعود الادخار قرارًا،
بل يتحول إلى طبع.
عادة صامتة،
لا هدف واضح لها،
إلا شعور غامض بالأمان.
وهكذا بعض الناس.
لا يعيشون الفقر،
لكنهم يعيشون احتمالَه.
يملكون، لكن لا يستخدمون.
يؤجلون، لكن لا يحددون متى ينتهي التأجيل.
يتحوّل الحذر تدريجيًا إلى اكتناز،
والاقتصاد إلى حرمان غير معلن،
ويصبح الانتظار أسلوب حياة.
ثم تأتي لحظة لا تُخطط لها.
دعوة سفر تم تأجيلها مرارًا.
شيء جميل محفوظ “لوقت أنسب”.
مال مدّخر ليوم غير محدد.
وفي يوم عادي،
يرى غيره يستخدم ما كان هو يؤجله.
يسافر دون تعقيد،
يفرح دون حساب طويل،
ويصنع ذكريات لا تُؤجَّل.
ينظر بصمت.
لا حسد،
ولا غضب،
فقط إدراك متأخر.
كأنه يرى فجأة النفق الذي وضع نفسه فيه.
نفق من الحذر،
مبنيّ بالنوايا الجيدة،
لكن سقفه منخفض،
وضوءه خافت.
يفهم أن بعض ما سمّاه حكمة
كان في الحقيقة خوفًا لم يعترف به.
ويبدأ حوار داخلي هادئ:
كم لحظة كانت كافية لكنها أُجلت؟
كم فرحًا كان ممكنًا لكنه انتظر إذنًا من المستقبل؟
كم سنة مرّت وهو يحرس ما يملك بدل أن يعيش به؟
عندها تتغير الفكرة.
الأمان ليس أن تؤجل حياتك،
بل أن تعيشها بوعي.
فالخوف من الفقد
قد يحمي الأشياء،
لكنه قد يسرق التجربة.
لا يبقى السؤال:
كم جمعت؟
بل سؤال أثقل وأصدق:
كم عشت مما جمعت؟
لأن النملة التي لا تأكل مما جمعت،
لا تختلف عن التي لم تجمع شيئًا…
إلا في ثقل ما تحمل.

تعليقات