ثم ماذا؟

 ثم ماذا؟



كان يضع علامة صغيرة على التقويم في نهاية كل يوم.


لم يكن يعد أيام الإجازة.


كان يعد الأيام المتبقية على التقاعد.


ثلاثة وثلاثون عاماً بين المكاتب والاجتماعات والطريق المزدحم والعودة إلى المنزل.


ثم يوم جديد يشبه سابقه.


حتى أصبح الوقت يمر أسرع من أن يلاحظه.


وحين كان أحد يسأله عن خططه بعد التقاعد، كان وجهه يتغير.


سأسافر.


سأزرع الطماطم التي كانت أمي تزرعها.


سأقرأ الكتب المكدسة على الرف منذ سنوات.


سأمشي بلا استعجال.


سأعيش.


وفي إحدى الجلسات، قاطعه ابنه بهدوء:


“إذا كانت هذه هي الحياة التي تريدها…


فلماذا لم تعشها؟”


ساد الصمت.


ليس لأنه لم يجد جواباً.


بل لأنه لم يفكر في السؤال من قبل.


عاد بذاكرته إلى البدايات.


تذكر الصورة التي كانت واضحة أمامه منذ الصغر:


ادرس.


اعمل.


ترقَّ.


اشتر.


امتلك.


حقق.


وكان يظن أنه يختار.


لكن المجتمع لا يجبر الناس على أهداف معينة.


هو فقط يربط بعض الأهداف بمعانٍ كبيرة.


النجاح.


المكانة.


الاستقرار.


ثم يترك الناس يركضون نحو الصورة.


ومع مرور الوقت يصبح من الصعب التفريق بين ما نريده حقاً…


وما تعلمنا أن نريده.


وفجأة أدرك شيئاً لم ينتبه إليه طوال تلك السنوات.


أن السنوات التي أمضاها في مطاردة الحياة…


كانت هي نفسها السنوات التي كان يؤجل فيها الحياة.


كان يعتقد أنه يبني مستقبله.


بينما كان يؤجل ما يحب إلى وقتٍ آخر.


وقتٍ لم يكن يأتي أبداً.


المأساة ليست أن يفشل الإنسان في الوصول.


المأساة أن يصل.


أن يقف بعد سنوات طويلة من الجهد والانشغال والتضحية…


ثم يكتشف أن ما يبحث عنه اليوم لم يكن بعيداً عنه بالأمس.


وأن بعض الأحلام لم تكن مستحيلة.


بل كانت مؤجلة.


وربما لهذا، يبقى السؤال الأصعب في حياة الإنسان ليس:


هل نجحت؟


ولا:


هل وصلت؟


بل:


عندما تصل إلى ما تسعى إليه اليوم…


ثم ماذا؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

ليس كل من فيها… منها

ما يفهمه القلب فقط