حديث لا يسمعه أحد

 حديث لا يسمعه أحد



منذ صغري وأنا أسمع المقولة:

البحر يستقبل كل من يشتكي له، كل من يُكلمه.”


كان البحر دائمًا ذلك الرفيق الصامت، النديم الذي لا يكلّ من الاستماع، الحضن الواسع لكل من أثقله الهمّ أو أراد أن يهمس بسرّ لا يُقال. لم يكن مجرد ماءٍ وملح، بل كان مأوى للأفكار المتعبة، للقلوب المثقلة، للضحكات العالقة في الزمن. كم من إنسان جلس أمامه وباح بما لا يُقال، استودعه أسراره وأمانيه، رجاه أن يحتفظ بها، وربما أن يعيدها له يومًا حين يحتاج أن يتذكّر أو يستعيد نفسه.


وكم من ضحكة سمعها البحر، حفظ صداها بين أمواجه، ليعيدها بعد حين ذكرى دافئة لمن ضحكوا ذات لحظة على شاطئه، قبل أن تفرّقهم الحياة.


وفي زمنٍ امتلأت فيه الحياة بالضجيج، أصبح البحر خيارًا نادرًا للسكينة. أمامه، لا إشعارات، لا رسائل، لا مطالب عاجلة… فقط صوت داخلي يُعيد ترتيبك بصمت. من جلس أمام البحر، يعلم أن لحظة واحدة من صدقه تكفي لمداواة ما عجزت عنه أيام مزدحمة.


لكن السر في علاقة البحر بالبوح لا يكمن في ظاهره فقط، بل في بُعدين عميقين:


بُعد مسموع، وبُعد مرئي.


أما البُعد المسموع، فهو صوت الموج. صوتٌ لا يُشبه شيئًا آخر، لا يتكرر ولا يُصنَّف ضمن الضجيج أو النغم. تدفق الماء على الشاطئ يُنتج نغمةً تتراوح بين القوة والسكينة، ترتطم أحيانًا بالصخور والرمل كأنها تُعلن حضورها، كأنها تقول: أنا هنا… أسمعك، أفهمك، أحتويك.


إنها الأمواج ذاتها التي حملت أسرارًا وخفايا، اختفى فيها من اختفى، ونجا فيها من نجا، وغاصت فيها العلوم والتجارة والمعرفة، وعبرت عبرها الجيوش والنجاحات.

ومع كل ذلك، لا تزال تعود إلى الشاطئ كل يوم، كأنها تُذكّرنا أن العودة ممكنة، مهما ابتعدنا.


وأما البُعد المرئي، فهو شكل الموج في ذاته. حادّ حينًا، مقوّس حينًا، مرتفع أو هادئ، متقلب كالحياة، لا يعرف ثباتًا… ومع ذلك لا يوقفه أحد. تلك الصورة البصرية للموج تمنح النفس شعورًا بأن التغيّر طبيعي، وأن الاستمرار في الحراك، رغم الانكسارات، هو شكل آخر من أشكال النجاة.


ذلك التغيّر البصري، من موجة هادئة إلى أخرى غاضبة، لا يمرّ على العين فقط… بل على الروح أيضًا. من يُطيل النظر إلى البحر، يُدرك أن الثبات وهم، وأن الجمال قد يكون في الحركة، في التقلّب، في التمرّد الهادئ. كل موجة تحمل درسًا: أنك لن تكون في حال واحدة، ولن تبقى في مكان واحد، لكنك ما دمت تتحرك… فأنت على قيد الحياة.


البحر ليس فقط من يستمع إليك… بل من يُشعرك أنك لست وحدك.


#الفضول  #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح 

#خيال_علمي

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات