أين الوقت الخاص بي؟

 أين الوقت الخاص بي؟



في بدايات العمر، لا نعرف من التعب إلا ما يصيب الجسد…

نركض ونلهو، ثم نرتاح بلحظة جلوس أو رشفة ماء، لنعود وكأن شيئًا لم يكن.


ثم تأتي المدرسة، ويبدأ التعب يتخذ شكلًا جديدًا…

نسميه “مللًا”، لا نفهمه جيدًا، لكنه يحاصرنا في الواجبات، في الاستيقاظ المبكر، في تكرار الأيام.

ولم نكن ندرك أننا نعيش أول ملامح التعب الذهني.


ومع نهاية كل عام دراسي، تبدأ الإجازة الصيفية، فنحتفل بها كعيد، نملؤها لهوًا وراحة.

لكن قبل أن تنتهي، نشتاق… لا للواجبات، بل للأصدقاء، للحكايات الصغيرة، للضحك الذي لا يشبه شيئًا.

ولم نكن نعلم أن الإجازة كانت تعيد التوازن للملل، تهيئنا للجولة التالية.


تمر السنوات، ونتخرج… ثم ننتقل إلى مرحلة العمل.

وهنا، تبدأ الحياة بالتغير.

تأخذ شكلًا آخر، كأمواج البحر؛ تضربك أحيانًا، وتخدعك بهدوئها أحيانًا أخرى.

لا عطلة صيفية هنا، لا جدول مدرسي… بل أهداف رسمتها يومًا، تسعى الآن خلفها بكل ما فيك.


في بداية العمل، لا ملل، لا تذمر…

تتنازل عن عطلة نهاية الأسبوع، عن يوم ميلادك، عن أصدقائك، وحتى عن صحتك.

لأنك تؤمن أنك في سباق الوصول، وكل لحظة تقربك أكثر من أحلامك.


لكن، ومع مضي الوقت، وكما أن التعب يسبق لحظة الوصول…

يبدأ داخلك شعور جديد، لا اسم له سوى: “لا فائدة

تدرك أن الطريق الذي رسمته لنفسك لا يشبه ما تواجهه.

أنك رسمت خريطة بأحلامك، وتتفاجأ بأن الطريق الحقيقي لا يشبهها.


عندها، تبدأ رغبتك في التوقف.

لا لتنسحب، بل لتتنفس.

تبدأ بإعادة النظر…

تعود إلى عطلة نهاية الأسبوع، لا ترفًا، بل حاجة.

تتصل بالأصدقاء، تبحث عن لحظات صمت، عن زاوية دافئة لتهدأ.

لأنك عرفت الآن أن العودة إلى نفسك ليست ترفًا… بل ضرورة.


ثم تمضي سنوات أخرى…

ربما تتزوج، تُنجب، تحقق بعض أحلامك…

تضيف إلى أوقات الترميم بعض المناسبات الوطنية أو الدينية، وربما، في أحسن الظروف، تأخذ إجازة تلملم فيها جراح الرحلة.


وفي لحظة تأمل، على فنجان قهوة، أو وسط ضحكة أبنائك، أو أثناء تعب يلازمك شهورًا…

يتردد سؤال داخلك بصوت خافت:


أين الوقت الخاص بي؟”


تدرك أنه لن يكون لك بالكامل.

لكن تتساءل:

متى أستطيع أن أكون أنا فقط؟

وماذا سأفعل إن امتلكت هذا الوقت؟

هل سأعرف كيف أُسعد نفسي؟


ثم، دون أن تنتبه، يكون عمرك قد تجاوز الخمسين… أو الستين.


وهنا يولد مفهوم التعب الجديد:

ليس تعب الركض، ولا الإنجاز، ولا العمل…


بل تعب سؤالٍ واحدٍ، لا يغادر:


أين الوقت الخاص بي؟


فلا تؤجّل هذا السؤال…

لأن الوقت لا ينتظر أحدًا.


#الفضول  #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح 

#خيال_علمي

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات