من التربية إلى الرعاية… رحلة الانفصال عن الجذور

 من التربية إلى الرعاية… رحلة الانفصال عن الجذور



كان الأب في الماضي يُربّي لا يُرعى فقط. لم يكن يكتفي بإطعام ولده وتوفير سقف يأويه، بل يغرس فيه مبدأ، ويهديه قيمة، ويقوّمه قبل أن يُطعمه، لأن التربية عنده امتداد لما تربّى عليه، وما ورثه من دينه، وأخلاق مجتمعه، وعادات بيئته.


الأم لم تكن تقرأ في كتب علم النفس كيف تتعامل مع طفلها، بل كانت تقرأه هو، تقرأ تعبير وجهه، وسلوكه، وتعرف متى ساءت نيّته ولو لم ينطق. كانت تحمل في قلبها “منهجًا غير مكتوب” فُطرت عليه من تجارب أهلها، ومن دينٍ علّمها أن التربية أمانة، لا وظيفة.


لكن شيئًا ما تغيّر.


في العقدين الأخيرين، بدأت مفاهيم جديدة تتسلل إلى بيوت الناس، لا على استحياء بل على هيئة قوانين ومنشورات ودورات تدريبية. بدأت “الرعاية” تحلّ محل “التربية”. أصبح يُقال للوالد: لا تعنّف، لا تصرخ، لا تُصدر أحكامًا، لا تغرس معتقدًا، لا تُقلق نفسية ابنك… وتناسوا أن الطفل بلا توجيه راسخ كجسد بلا عمود فقري.


ظهرت منظمات تتحدث باسم الطفولة، وأخرى ترسم حدودًا جديدة للعلاقة بين الأب وابنه، وبين الأم وبنتها، وكأنهم يريدون للأسر أن تكون حيادية، بلا هوية، وبلا ملامح.


السوشيال ميديا لم تكن بعيدة عن هذه الفوضى، فقد ساهمت في “تسويق الوهم التربوي”. يُصوّرون لك أن الطفل لا بد أن يُعامَل كضيف فندقي: طلباته أوامر، ومشاعره مقدسة، ونقده جريمة. يقتبسون من ثقافات لا تعرف معنى الأسرة كما نعرفها، ثم يُلبسونها لبوس العلم والتقدّم.


وبين كل هذا، ضاعت التربية. لم يعد الطفل يُربّى على الصدق بل يُعلَّم كيف “يعبر عن رأيه”، ولا على احترام الكبير بل على “تقدير الذات”، ولا على الانضباط بل على “حق الرفض”.


أحد الآباء قال: “سألت ابني: لماذا فعلت كذا؟ فقال لي: القانون يمنعك أن تسألني هكذا!”


نحن لا نرفض التطوّر، ولكننا نرفض أن يُجتثّ أصلنا التربوي، ليُزرع مكانه شتلة مستوردة لا تثمر في أرضنا. التربية ليست علماً حديثًا، بل ميراث متراكم، والدين كان أول من أسّس لها، والعُرف الصالح حفظها، والعائلة كانت مدرسة.


فهل سنكتفي بأن نكون رُعاةً لأطفالنا؟

أم سنستعيد شجاعة المُربّين؟

فالرعاية تُبقي الطفل حيًا…

لكن التربية تُبقيه إنسانًا.


#الفضول  #السيطرة #الوهم 

#خيال_علمي #تحذيركوني 

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات