لماذا نرفض من بعض الناس ما نتقبله من غيرهم؟

 لماذا نرفض من بعض الناس ما نتقبله من غيرهم؟



في تفاصيل العلاقات الإنسانية، نجد مشهدًا يتكرر كثيرًا:


شخص يقول لك كلامًا قاسيًا، فتتقبّله منه بسهولة.

وآخر يقدّم لك معروفًا أو ملاحظة بسيطة، فتتضايق منه أو تنفر.


قد يكون الفعل واحدًا، لكن ردّ فعلك يتفاوت بشكل واضح.

فلماذا يحدث هذا؟

هل هو مجرد تفضيل؟ أم أن وراءه تركيبة أعمق في فهمنا للناس وتفاعلنا معهم؟


أولًا: التحيّز العاطفي الخفي


نحن لا نتعامل مع الكلام فقط، بل مع من قاله.

فمن نحبّه أو نرتاح له، نتقبّل منه النقد، النصح، وحتى الزلّات.

أما من نراه بعيون الريبة أو التحفّظ، فلا نمنحه المساحة ذاتها… حتى وإن أحسن.


هذا التحيّز ليس دائمًا واعيًا، بل يتسلّل فينا بصمت، ويُحدد استجابتنا دون أن نشعر.


ثانيًا: سلطة الانطباع الأول


انطباع واحد – ربما لحظة عابرة – يطبع في داخلنا “صورة” للشخص،

وهذه الصورة تبقى تعمل كـ”مرشح” لا شعوري يلوّن كل ما يفعله لاحقًا.


إذا رُسِم في ذهنك أن فلانًا متكبّر، فحتى تواضعه ستراه مزيّفًا.

وإن كان عندك طيّبًا، ستغفر له قسوته على أنها “غيرة أو حرص”.


ثالثًا: مرجعية العلاقة الداخلية


نحن نُعطي لبعض الناس رُخصة غير معلنة للكلام أو النقد أو التدخل.

وآخرين… لا نمنحهم حتى حق الاقتراب.


هذه المرجعية تُبنى على التاريخ العاطفي، القرب، الثقة، و”ما نراه نحن” لا ما يقدّمه الشخص فعلًا.


رابعًا: الصراع النفسي والإسقاط


أحيانًا، لا نرفض الشخص ذاته، بل ما يمثله داخلنا.

قد يُذكّرنا بشخص مؤذٍ، أو بمرحلة موجعة، أو بجانب لا نحبه في أنفسنا.


فنُسقِط هذه المشاعر عليه، ونتعامل معه بحدة أو تجنّب، دون أن يكون هو نفسه مخطئًا.


خامسًا: تفاوت الأمان النفسي


بعض الأشخاص يمنحوننا شعورًا بالأمان، فننفتح لهم حتى في الخلاف.

وآخرون نشعر أمامهم بالضعف أو بالتقييم المستمر… فنغلق أبوابنا فورًا، ونتخذ موقفًا دفاعيًا.


وهذا ما يفسّر لماذا نثق بشخص يقول الحقيقة بحدة، وننفر من آخر ينصحنا بلطف.


سادسًا: هل النية تبرّر الفعل؟


النية مهمة جدًا، لكنها لا تكفي وحدها.


نعم، من يقصد الخير يستحق أن يُفهم جيدًا، لكن:

لا يمكننا دائمًا قراءة النوايا.

ولا تُبرّر النية السلوك الجارح، إن لم يكن الأسلوب مناسبًا.

ولا تُلغي الأثر السلبي الذي قد يشعر به الطرف الآخر حتى لو كان المقصود طيبًا.


فالعبرة ليست فقط بما نُريد، بل بما يصل، وكيف يصل، ولمن يصل.


سابعًا: هل يجوز إخفاء الهدف من الفعل؟


أحيانًا نُخفي نيتنا أو هدفنا عن الطرف الآخر، لكن… هل هذا مقبول؟


نعم، إذا:

كان الهدف لحمايته أو تهيئته نفسيًا.

كان الكشف المباشر سيُفسد أثر الفعل (مثل المفاجآت أو خطوات الدعم غير المباشر).

لم يُمس حقّه، وكان يمكن شرح الأمر لاحقًا دون جرح الثقة.


لا، إذا:

كان الإخفاء يُقصيه عن قرار يخصّه أو يؤذيه لاحقًا.

كان سيُشعره بالخداع أو الاستغفال.

أصبح أسلوبًا متكررًا في العلاقة يُهدم الثقة بمرور الوقت.


فالنية لا تُبرّر الإخفاء إن لم يكن مدروسًا، محكومًا بالأمانة، ويحفظ كرامة الطرف الآخر.


الخاتمة


في العلاقات الإنسانية، لا نقيّم المواقف كما هي، بل كما نشعر بها.

نحن لا نرى الناس بعيوننا فقط، بل بتاريخنا، وانطباعاتنا، واحتياجاتنا العاطفية.

والعدل في العلاقات لا يعني المساواة في التعامل، بل الموازنة بين النية، والقول، والأسلوب، والحق.


حين نفهم لماذا نتقبل من بعض ونرفض من آخرين، نبدأ بإعادة ترتيب وعينا…

فنُعطي كل موقف وزنه، وكل شخص حقه، وكل علاقة فرصتها العادلة.


#الفضول  #السيطرة #الوهم 

#خيال_علمي #تحذيركوني 

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات