لعبة الكراسي

لعبة الكراسي

 لعبة الكراسي: من ترفيه بريء إلى درس مبكر في الإقصاء


ليست كل الألعاب كما تبدو.

تحت قناع البهجة، يختبئ أحيانًا تمرين قاسٍ على مفاهيم أعمق من قدرة الأطفال على استيعابها. لعبة الكراسي، التي اعتدنا رؤيتها في حفلات المدارس وأعياد الميلاد، ليست مجرد لهوٍ بريء.

إنها تجسيد رمزي لصراع الندرة، ودرس مبكر في فن الإقصاء، ومشهد مصغّر يعكس بنية العالم الحقيقي، حيث لا مكان للجميع.


أصل اللعبة: من “رحلة إلى القدس” إلى صراع البقاء


يُرجّح أن لعبة الكراسي نشأت في ألمانيا في القرن التاسع عشر، وكان اسمها الشائع حينها رحلة إلىالقدس” (Reise nach Jerusalem).

الاسم ليس اعتباطيًا، فالقدس في الوجدان الديني الأوروبي كانت ترمز إلى الغاية العليا، وبلوغها يعني الخلاص أو الفوز المطلق.

لكن اللعبة تُبنى على مفارقة عميقة: لا أحد يصل فعليًا.

فالمشاركون يُقصَون واحدًا تلو الآخر، حتى يتبقى شخص واحد جالسًا على آخر كرسي.

وكأن الرسالة تقول: “الفوز لا يتحقق إلا بالإقصاء الكامل لكل من حولك.”


النظام السائد وقتها: مجتمع طبقي يحاكي روح اللعبة


في تلك الفترة، كانت ألمانيا ما تزال مجزأة إلى دويلات وممالك، تحكمها أنظمة ملكية أرستقراطية محافظة.

الطبقات الاجتماعية كانت جامدة:

نبلاء يملكون الأرض والسلطة،

برجوازيون يصعدون اقتصاديًا،

وفلاحون يعيشون على الهامش.


ألمانيا لم تتوحّد إلا لاحقًا (1871)، لكن قبل ذلك كانت تحكمها التوترات:

ثورات 1848، نهوض الفكر القومي، بداية الثورة الصناعية، صراع الدين مع العلم، وصعود الفردانية كقيمة أساسية.


في هذا السياق، لم تكن اللعبة مجرد ترفيه، بل محاكاة تربوية مبكرة لعالم تنافسي مغلق، يُكافأ فيه من ينجو وحده.


البُعد النفسي والاجتماعي: تعويد مبكر على الخسارة والإذلال


تشير دراسات في علم نفس الطفولة إلى أن:


“الألعاب التي تتضمن إقصاءً علنيًا تؤثر على مفهوم الطفل لذاته، وتُطبع في عقله مبدأ أن قيمته مرتبطة بسرعة تجاوبه لا بتعاونه.”


من يفشل في الجلوس يُقصى أمام الجميع.

يضحك الحضور، ويُكمل الباقون اللعب.

أما هو، فيتعلّم أن الخروج من اللعبة لا يوقفها، بل قد يكون جزءًا ضروريًا لاستمرارها.

الرسالة؟

“مكانك يُنتزع إذا لم تنتزعه بنفسك.”


ألعاب تراجعت لأنها لم تخدم هذا النموذج


مع صعود الرأسمالية والفردانية، تراجعت ألعاب كثيرة كانت تعتمد على:

التعاون الجماعي.

المكافأة المتساوية.

المرح المشترك دون خاسر.


ألعاب مثل شد الحبل الجماعي، أو الركض كفريق، أو مسابقات الدوران التشاركية، بدأت تُهمّش.

لأنها لا تُعزز قيم “الاختيار الطبيعي”، ولا تُدرّب على الإقصاء، ولا تصنع “بطلاً واحدًا” يُصفق له.


هل كان يمكن للعبة أن تكون عادلة؟


في مجتمعات أخرى، مثل المجتمعات الزراعية أو القبائل، كانت الألعاب تُبنى على الجماعة، لا على الإقصاء.

وفي بعض نماذج التعليم الحديث، ظهرت محاولات لإعادة تصميم اللعبة بحيث:

لا يُقصى أحد.

بل تضاف كراسي.

أو يُعاد دمج الخارجين في أدوار جديدة.


لكن هذه المحاولات تُعد هامشية أمام سطوة النموذج الأصلي.


الخاتمة: لعبة… أم مرآة؟


لعبة الكراسي ليست خطأً تربويًا، لكنها مرآة دقيقة لمجتمع تنافسي طبقي.

هي درس مبكر في منطق:

النجاة للأسرع،

القوي يربح،

الخاسر لا يُواسى،

والجمهور يتفرج.


ويبقى السؤال:


لماذا لا نُضيف كرسيًا… بدلًا من أن نخسر شخصًا؟


#الفضول  #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح 

#خيال_علمي

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات