كواليس حقيقية
كواليس حقيقية
مدّ يده… ثم سحبها قبل أن يراه أحد.
لم يكن يخشى الرفض، بل كان يخشى أن يُحرج رجلاً اعتاد أن يعطي… ولم يعد يملك شيئًا.
بعض الناس يظهرون جيدًا… حتى ينتهي المشهد.
وبعضهم لا يظهر أصلًا إلا حين يُحتاج إليه.
هناك من لا يلفت النظر… لكنه حين يُرى، يُفهم.
لا يزاحم على الواجهة، ولا يطلب موقعًا يُرى فيه.
وحين يأتي دوره، لا يمرّ… بل يترك أثرًا.
يقدّم أفضل ما لديه، وكأن أحدًا لن يأتي بعده.
رأيته يمشي خلف الصف.
لا لأنه أقلّ، بل لأن أحدًا كان أولى بالمكان.
لم يلتفت، لم يبرّر، لم ينتظر أن يُلاحظ.
مشى… وكفى.
لا يضع أحدًا في موضع سؤال.
يسأل قبل أن يُسأل.
ويُعطي دون أن يجعل العطاء حدثًا.
لا يتكلّف الكرم… هو لا يعرف كيف يتخلّى عنه.
ولا يحتاج شاهدًا على ما يفعل.
في المجالس، لا يرتفع صوته… ومع ذلك يُسمع.
وإذا اختصر، أصاب.
حديثه ليس كثيرًا… لكنه كافٍ.
يعامل الناس على قدره هو، لا على قدرهم.
ولهذا لا يتغيّر.
يُخفي تعبه كما يُخفي فضله.
يمضي متماسكًا… دون أن يطلب فهمًا، أو يترك تفسيرًا.
في حضوره شيء لا يُطلب… ويُفرض.
ليس صمتًا، بل اتزان.
وليس بساطة، بل سيطرة.
كأنك أمام إنسان لا يحاول أن يكون…
بل هو كذلك بالفعل.
هذا المعنى قيل… لكنه لا يُقال كما يجب.
وفي أبيات نايف صقر ما يضع له حدًا واضحًا:
لا تحرج الطيب وهو ما معه شي
انشد عنه قبل تسبب له احراج
يمكن مهو لاقي ولو رشفة المي
وعينك تشوف انه على بير هداج
…
الطيب رزق، وما يجي بالمصنّي
يمشي ولا ينتظر ردّ أو منهاج
الكواليس الحقيقية لا تُصوَّر—
لأن أصحابها لا يتركون بابًا يُفتح.
ولهذا… تبقى كما هي: حقيقية.

تعليقات