الاختبار الأخير

 هناك اختبار واحد في حياتك تعرف أسئلته مسبقًا، وتعرف إجاباته الصحيحة، ومع ذلك قد تدخل إليه غير مستعد.

يبدأ بعد أن يغادر الجميع… ويُغلق عليك التراب.


الاختبار الأخير



﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾

القرآن الكريم


عندما يقترب موعد الاختبار، يتغير الإنسان تلقائيًا.

يترك ما يشغله، ويجمع تركيزه، ويعيد قراءة ما سيُسأل عنه، ويحفظ الإجابات، ويجتهد حتى يدخل الامتحان وهو مطمئن إلى ما سيقول.


ولو قيل له إن أسئلة الاختبار محددة مسبقًا، وإن الإجابات قد شُرحت له بوضوح، لما انصرف إلى شيء أهم من الاستعداد لها.


وأعظم اختبار ينتظر الإنسان ليس في مدرسة ولا جامعة، بل في أول منزل من منازل الآخرة: القبر.


هناك، ينصرف الناس، ويُهال التراب، ويُترك الإنسان وحده، فلا مال ينفعه، ولا جاه يحميه، ولا أحد يجيب عنه.


ثم يبدأ السؤال.


  • من ربك؟
  • ما دينك؟
  • ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟
  • وما يُدريك؟


فيجيب المؤمن بثبات:


  • ربي الله.
  • ديني الإسلام.
  • هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • قرأتُ كتاب الله فآمنتُ به وصدَّقتُ.


كما أخبر بذلك محمد بن عبد الله في الحديث العظيم الذي رواه البراء بن عازب رضي الله عنه.


ثم ينادي منادٍ من السماء:


أن صدق عبدي.


ويأتي الأمر الكريم:


  • فأفرشوه من الجنة.
  • وألبسوه من الجنة.
  • وافتحوا له بابًا إلى الجنة.


فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مدَّ بصره.


القبر الذي تبنيه الآن


القبر ليس حفرة تبدأ يوم الموت، بل بيتٌ يُبنى من هذه اللحظة.


كل صلاة خاشعة تضع فيه نورًا.

كل آية من القرآن الكريم تزيده إشراقًا.

كل صدقة تبث فيه رحمة.

كل ذكر لله يملؤه بالأنس.

كل توبة صادقة توسّع جوانبه.

كل خلق حسن يهيئ فيه راحة.

كل نية مخلصة تثبّت أساسه.


فتتحول أعمالك في الدنيا إلى ما تحتاجه في قبرك:


  • نورًا بدل الظلمة.
  • فراشًا من الجنة.
  • لباسًا من الجنة.
  • بابًا مفتوحًا إلى الجنة.
  • سعةً بدل الضيق.
  • طمأنينةً بدل الوحشة.


وما أعظم ما يُبنى به القبر


عندما سُئل المؤمن: وما يُدريك؟ لم يقل: سمعت الناس يقولون، ولا قال: ورثت ذلك عن آبائي.


بل قال:


قرأتُ كتاب الله فآمنتُ به وصدَّقتُ.


هذا هو أساس البناء الحقيقي.


أن تقرأ كتاب الله، فتؤمن بما فيه، وتصدق به، وتعيش وفق هدايته حتى تصبح العقيدة التي تحملها في قلبك حقيقةً ثابتة لا تتزعزع عند السؤال.


خلافات الدنيا لا تدخل معك القبر


ومن أعجب ما يستحق التأمل أن الأسئلة التي سيُسأل عنها كل إنسان في قبره لا تتعلق باسم جماعته، ولا بمذهبه، ولا بالخصومات التي خاضها، ولا بالجدالات التي استهلك فيها عمره.


لن يُسأل:


  • من أي طائفة أنت؟
  • إلى أي جماعة تنتمي؟
  • من الذي انتصرت عليه في الجدل؟


بل سيُسأل عن الحقائق الكبرى التي يجتمع عليها المسلمون:


  • من ربك؟
  • ما دينك؟
  • ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟
  • وما يُدريك؟


والجواب واحد:


  • ربي الله.
  • ديني الإسلام.
  • هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.


فإذا كانت أسئلة القبر واحدة، وإجابات النجاة واحدة، فما أقل شأن كثير من الخصومات التي فرقت القلوب، وأورثت العداوة والبغضاء، وأشغلت الناس عن العمل الذي ينفعهم حين يُوضعون في قبورهم.


العاقل لا يستهلك عمره في نزاعات لا تُضيء قبره، بل ينشغل بما يثبته عند السؤال، ويحفظ قلبه من الحقد، ويحرص على الأخوة، ويجعل همه أن يلقى الله بقلب سليم.


وعلى الجانب الآخر


أما من عاش بعيدًا عن الإيمان والعمل، فإذا سُئل قال:


هاه هاه، لا أدري.


فينادي منادٍ من السماء:


أن كذب.


فيُفرش له من النار، ويُلبس من النار، ويُفتح له باب إلى النار، ويأتيه من حرها وسمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.


خاتمة


منذ هذه اللحظة، أنت تبني قبرك.


كل يوم يمر يضيف إليه شيئًا:

إما نورًا أو ظلمة،

وإما سعة أو ضيقًا،

وإما طمأنينة أو وحشة.


فإن أردت أن تجد في قبرك فراشًا من الجنة، ولباسًا من الجنة، وبابًا مفتوحًا إلى الجنة، فابدأ البناء الآن.


اقرأ كتاب الله، وآمن به، وصدّق، وأصلح قلبك، واترك الخصومات التي لا تنفعك، وأكثر من العمل الصالح.


حتى إذا جاء السؤال، لم تبحث عن الإجابة…


بل نطقت بما عشته طوال حياتك




#افكاري #مقالات #اختبار #جهز #سؤال 




لباقي المقالات 

https://aldeai.blogspot.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

ليس كل من فيها… منها

ما يفهمه القلب فقط