اختيار الله ألطف من علمي بمستقبلي

 اختيار الله ألطف من علمي بمستقبلي



في عالمٍ لا يهدأ، تتكدس فيه المخاوف، وتتشابك فيه الخيارات، يظن الإنسان أنه لو عرف مستقبله، لاطمأن، ولاختار ما هو أفضل لنفسه.

لكن الحقيقة أن الاختيار الأمثل لا يكون في كثرة المعلومات، بل في عمق التوكل.


الله… لا يُعبد فقط لأنه يعلم، بل لأنه يُدبّر بلُطف


نحن نؤمن أن الله خالق كل شيء، يعلم ما كان وما سيكون.

لكن الإيمان الحقيقي لا يقف عند هذه المعرفة، بل يتجاوزها إلى التسليم والطمأنينة:

أن الله لا يُدبّر الأمور فقط بعلمه، بل بلُطفه، ورحمته، وحكمته التي تحيط بما لا نراه.


قال تعالى:

﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

– سورة الملك


و”اللطيف” هنا لا تعني فقط الرقة، بل: الدقة في التدبير، والرحمة في التقدير، فهو يدبّر شؤونك بما لا تدركه أنت عن نفسك.


علم الله ≠ إجبار الله


يسأل البعض: إذا كان الله يعلم ماذا سنفعل، فلماذا نحاسب؟

وهنا الخطأ: نخلط بين العلم المسبق والإجبار.


مثال بسيط:

المعلم الخبير يعرف أن الطالب الكسول لن ينجح، لكنه لا يُجبره على الفشل.

هو فقط يعلم صفاته، ويعلم النتيجة التي ستؤول إليها حركاته إن استمر على حاله.


كذلك الله: يعلم ما ستختار، لكنه لم يُجبرك على الاختيار.

ولهذا يُحاسبك، لأنك صاحب القرار، حتى وإن كان الله يعلم سلفًا ما ستفعله.


وماذا لو رأيت مستقبلي؟


حتى لو اطلعتَ على تفاصيل حياتك القادمة، فإن قراراتك ستظل ناقصة، لأنك:

لن ترى أثر قراراتك على الآخرين.

لن ترى الأحداث العارضة، كالمرض، أو تغيّر الناس.

لن تدرك التسلسل التراكمي الذي لا يظهر في لحظة واحدة.


أما الله، فهو:


يعلمك، ويعلم غيرك، ويعلم الزمان والمكان، ويعلم الغيب والحكمة من كل شيء.

لذلك، اختياره لك، حتى فيما تراه “خسارة”، هو في الحقيقة حماية أو تمهيد لخيرٍ أكبر.


مثال من الواقع:


رجلٌ قُبل في وظيفة براتب مغرٍ، لكنه لم يُكمل الإجراءات. ظنها فرصة ضاعت.


بعد أشهر، علم أن هذه الشركة أفلست فجأة، وسُرّح موظفوها بلا تعويض.

وقتها فقط، أدرك أن المنع… كان لطفًا إلهيًا لا يُقدّر بثمن.


الإيمان الحقيقي: أن تُحب تدبير الله أكثر من خططك


ليس كل مؤمن مطمئن، لأن بعضهم يؤمن بالله، لكن يخاف من تدبيره.

وهنا يظهر عمق الإيمان الحق:


أن تقول بصدق: “يا رب، حتى إن لم أفهم، فأنا أثق بك، وأحب تدبيرك.”


النبي ﷺ علّمنا دعاءً يختصر هذا المعنى:


“اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ”


لأن النفس مهما أوتيت من علم، لا ترى ما وراء اللحظة، ولا تدرك الحكمة كما يدركها الخالق.


خاتمة


الإيمان ليس أن تعرف فقط… بل أن تسلّم.

واليقين ليس أن ترى بعينك… بل أن ترى بعين قلبك.

والتوكل ليس أن تنتظر النتيجة… بل أن ترتاح في الطريق، لأنك تعلم من يدبّره.


حين تحب الله، لا فقط لأنه يعلم، بل لأنه ألطف بك من نفسك، وأعلم بما يصلحك منها، حينها فقط يزول القلق… ويحل السلام.


#الفضول  #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح  #النرجسية  #النجاح_والقيم  #تطوير_الذات #رحلة_الحياة  #تأملات  #الحب_والطريق  #نضج_عاطفي  #وعي_ذاتي  #فلسفة_الحب  #نصوص_عربية  #كتابات_شخصية  #تطوير_الذات 

#خيال_علمي #تحذير_كوني 

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات