بين الشريعة والتكوين النفسي والبيولوجي

 كيف تتغيّر الأحكام في الإسلام حين يتغيّر الإنسان؟



بين الشريعة والتكوين النفسي والبيولوجي


في التشريعات الوضعية، يُعامل الإنسان كمواطن أو كائن قانوني… بينما في الإسلام، يُعامل الإنسان كما هو فعلاً: كائن متقلبٌ بين العقل والعاطفة، بين القوة والضعف، بين الوعي والاضطراب.

ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية شاملةً لكل حالاته: الجسمية، النفسية، والعقلية. ولم تُخاطبه بصرامة مجردة، بل بأحكام تتبدّل أو تُخفَّف بحسب حالته الداخلية التي قد لا يسيطر عليها.


1. الشريعة تراعي تغير الإدراك والانفعال


من قواعد الفقه الكبرى:


“التكليف منوط بالقدرة والعقل”، و**“لا يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها”** (البقرة: 286).


ولهذا، إذا اختلّ التوازن النفسي أو العقلي، أو فقد الإنسان السيطرة على انفعالاته، فإن بعض الأحكام تتغيّر أو تُرفع مؤقتًا.


أمثلة:

الطلاق في الغضب الشديد:

قال النبي ﷺ:

“لا طلاقَ في إغلاق” – (رواه أبو داود)

أي: في حال يُغلق فيها على الإنسان عقله بسبب الغضب أو الإكراه.

•الإكراه:

قال تعالى:

“إلا من أُكرِه وقلبه مطمئن بالإيمان” (النحل: 106)

•النسيان أو الخطأ:

قال ﷺ:

“إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه” – (رواه ابن ماجه)


2. المرأة في الإسلام: أحكام تُراعي كيمياء الجسد والنفس


المرأة تمرّ بتغيرات هرمونية وفسيولوجية معروفة (الحيض، الحمل، النفاس، الرضاعة…) يصاحبها تغير نفسي وعاطفي حاد، ولهذا:


في الحيض والنفاس:

لا تصلي ولا تصوم.

لا تمسّ المصحف (عند جمهور الفقهاء).

لا يُجامعها زوجها.

قال تعالى:

“ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض” (البقرة: 222)


في الشهادة:

في المعاملات المالية: شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، مراعاةً للضبط النفسي والتذكر.

لكنها تُقبل منفردة في قضايا الولادة، الرضاع، الحضانة، والبيئة الأسرية.


في العبادات:

لا جمعة عليها، والصلاة في بيتها أفضل.

تُعفى من تكاليف مؤقتة بحسب ظرفها الجسدي، وهذا ليس نقصًا بل حماية وتشريع واقعي.


3. الميراث: توزيع وظيفي لا عاطفي


تُثار شبهة أن المرأة ترث نصف الرجل، وكأن هذا تمييز، لكن الحقيقة:

المرأة ترث مثل الرجل أو أكثر في عدة حالات (مثل: الأم ترث سدسًا كالأب في حالات، الزوجة مع بنت فقط، الخ…)

الفرق في حالات معينة فقط، والسبب:

الرجل مكلّف شرعًا بالإنفاق على الأسرة، والمرأة لا تتحمل هذا العبء.


لكن، هل يُمكن أن يكون التفاوت في الإرث نابعًا من الفقد العاطفي المختلف بين الجنسين؟

من حيث النص الشرعي: لا، الإرث يُبنى على المسؤوليات المالية لا على المشاعر.


لكن من حيث الحكمة النفسية غير المصرّح بها، يمكن القول:


الشريعة راعت بشكل غير مباشر أن المرأة قد تكون في حالة ضعف نفسي وعاطفي، فخفّفت عنها التكليف لا الإرث، وجعلت لها حِصصًا دون أعباء مرافقة.


4. الرجل أيضًا تُراعى حالته الداخلية


الشريعة لم تخص المرأة وحدها بهذا الاعتبار، بل:

الغضب الشديد، الجوع، المرض، الإكراه…

كلها حالات تُخفف أو تُغيّر الحكم عند الرجل كذلك.


مثال معاصر:

رجل في حالة غضب بعد وفاة والده، قال كلامًا فيه طلاق لزوجته لكنه لم يعِ ما قاله. يُعاد التقييم الشرعي لحالته، وقد يُحكم بعدم وقوع الطلاق.


5. الإشارات العلمية: ما تقوله الكيمياء العصبية اليوم


علم النفس العصبي اليوم يؤكد أن:

الحزن الشديد يرفع هرمون الكورتيزول، ويضعف وظائف الإدراك.

المرأة في الحيض والنفاس تمرّ بتذبذب في مستويات الإستروجين والبروجسترون، مما يؤثر على التركيز والانضباط الانفعالي.


 هذا يفسر جزئيًا لماذا تراعي الشريعة هذه الحالات دون أن تنصّ على الجانب العلمي مباشرة.

إنه تشريع إلهي يسبق العلم لكنه لا يتصادم معه.


مقارنة سريعة مع الأديان الأخرى

حين ننظر إلى أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة أو بالحالة النفسية والبيولوجية، نجد أن الأديان الأخرى تناولت بعض هذه المسائل لكن بدرجات متفاوتة، وغالبًا دون وضوح تشريعي شامل كما في الإسلام.


في اليهودية الأرثوذكسية، يُمنع الرجل من الاقتراب من زوجته أثناء فترة الحيض، وتُعتبر المرأة في هذه الحالة “نجسة طقوسيًا”، ويُفرض عليها الغُسل بعد انتهاء الدورة قبل استئناف العلاقة. أما في قضايا الميراث، فغالبًا لا ترث المرأة إذا وُجد ابن ذكر، ويُعطى الذكور الأولوية، إلا في حالات نادرة أو تعديلات حديثة.


في المسيحية التقليدية، لا توجد أحكام صريحة وموحدة متعلقة بالحيض أو بالطهارة، إذ تختلف من كنيسة لأخرى، وقد جرت العادة في بعض الطوائف بمنع النساء من المشاركة في بعض الطقوس الكنسية أثناء الحيض، دون أن يكون ذلك منصوصًا عليه كتابيًا. أما في الميراث، فلا يوجد نظام ديني مفصّل لتوزيع التركة، بل يُترك غالبًا للقوانين المدنية، مما يجعل تأثير الدين في هذا الجانب ضعيفًا أو رمزيًا.


أما فيما يخص الشهادة والمسؤولية القانونية، فإن اليهودية الأرثوذكسية لا تقبل شهادة المرأة في بعض المحاكمات، بخلاف الإسلام الذي حدد حالات قبولها بالتفصيل. وفي المسيحية، لم يُعرف للمرأة دور قضائي مباشر في تاريخ الكنيسة التقليدي، وإن كانت بعض الطوائف الحديثة بدأت تُشرك النساء في أدوار دينية وإدارية موسّعة.


خاتمة: التشريع مرآة الطبيعة الإنسانية


الشريعة الإسلامية ليست مجرد أوامر ونواهي جامدة، بل تفاعلية، واعية، واقعية.

تتغير الأحكام لا لأن “النوع” تغيّر، بل لأن “الحالة” تغيّرت.


حين يتغير جسد الإنسان، تنظر الشريعة إليه بعين اللُطف.

وحين تهتز نفسه، تنزل عنه بعض الأعباء.

وحين يغيب وعيه، تُعلَّق عنه المسؤولية.


وهكذا، يتجلّى عدل الإسلام في أسمى صوره:

تشريعٌ لا يُخاطب جسدًا فقط، بل يُراعي قلبًا، وعقلاً، وكيمياءً لا تُرى.



#الفضول  #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح 

#خيال_علمي

#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر 


لباقي المقالات عالي 

aldeai.blogspot.com


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل تنتظر الموت أم الموت ينتظرك؟

من السيطرة إلى العبودية

دور التقبل في تحديد مدى الحاجة للاعتذار والتبرير في العلاقات