المشاركات

ستختار النجوم أم النحل؟

صورة
ستختار النجوم أم النحل؟ في مساءٍ بريٍّ ساكن، حين كانت النار تتهامس مع الحطب، جلس شيخٌ كبير تحيط به مجموعة من أحفاده. الهواء بارد، والسماء مفتوحة، والنجوم قريبة بما يكفي لتُغري السؤال. لم يبدأ بحكاية، ولا بموعظة. قال بهدوء كأنه يفكر بصوتٍ عالٍ: لو كان لكل واحدٍ منكم يومٌ واحد فقط، يستطيع فيه تحريك النجوم… ماذا سيفعل؟ لم يقاطع أحدًا. ترك الإجابات تخرج كما هي. قال أحدهم إنه سيكتب اسمه في السماء. وقالت أخرى إنها سترسم قلبًا كبيرًا. وثالث أراد أن يقرّب النجوم لتصبح أوضح. وبعضهم قال إن الأفضل أن تبقى كما هي، خوفًا من أن يفسد شيئًا لا يفهمه. الشيخ لم يعلّق. اكتفى بالنظر إلى النار، وكأن الإجابات مرت به من قبل. ثم سأل ثانية، بنبرة أخف… وأثقل. حسنًا. ولو كان اليوم نفسه، لكن القدرة ليست على النجوم. رفع رأسه ببطء وقال: لو كان لكم يوم واحد فقط، تتحكمون فيه بالنحل… كل النحل، في كل الأرض. ساد صمت لم يكن مريحًا. لا أفكار، لا ضحك، لا خيال. النحل لم يكن فكرة بعيدة، ولا مشهدًا جميلًا. كان قريبًا أكثر مما ينبغي. يمرّ من الطعام، ومن الزرع، ومن الغد. تبادلوا النظرات. ثم بدأت الأصوات، لا كإجابات… بل كاعتذارا...

ما يفهمه القلب فقط

صورة
ما يفهمه القلب فقط كان المشهد عاديًا لولا ذلك اللمعان الذي سقط في عينه فجأة. جلس صديقه بشكل هادئة على نحوٍ يثير الغيرة: ضوءٌ خفيف، جلس بشكل مريح ، وكوب شاي أمامه يتصاعد منه بخار دافئ، ومعه رائحة ذات عبق خفيف، كأنها قادرة على تبديد التعب كله. لم يفهم سرّ انجذابه لما يراه لكن اللون… اللون وحده كان كافيًا. لونٌ صافٍ يميل إلى الذهبي، يلمع كأنه الشراب المثالي في ذلك الوقت من اليوم. لحظة واحدة فقط كانت كافية ليشعر أن كل ما بيده أقل، وأن ما لدى صديقه هو ألذّ   شاي   يمكن   أن   يمرّ   به   هذا   المساء. غلبه الفضول. اقترب، ابتسم، وطلب رشفة—تلك الرشفة التي كان يظن أنها ستمنحه طعمًا يوازي جمال المشهد. لكنه ما إن تذوّق حتى باغتته المرارة… مرارة صامتة، تكاد تقول له شيئًا لم يقله أحد. رفع صديقه عينيه وقال بهدوء لا يشبه طعم الشاي: « أنا   مريض   بالسكر،   أضطر   أحيانًا   لشاي   بلا   سكر …  ولو   بدا   جميلًا .» تجمّدت حوله لحظة قصيرة، كأن البخار نفسه توقف عن الحركة. كان المشهد نفسه—اللون، الرائحة، الجلسة—لكن الحقي...

أمّي سقتني إيّاه في وسط اللبن

صورة
أمّي سقتني إيّاه في وسط اللبن لم أصل إلى هذا المعنى وحدي. كان هناك من سبقني إليه دون أن يشرح، يدان صنعتا الطريق بصمت، وبيتان علّماني أن الحب لا يُرفع صوته… بل يُحفظ. شكرًا لوالدين لم يدرّسا الحب كنظرية، بل تركاه يعيش في تفاصيل البيت: في نبرة الصوت، في طريقة العتاب، وفي الاحترام الذي لا يُشترط له سبب. كنت طفلًا أرى أكثر مما أفهم، لكن القلب كان يسجّل كل شيء. هناك، في تلك السنوات الأولى، تعلّمت أن المودّة ليست ضعفًا، وأن الرجل لا يفقد هيبته حين يكون رحيمًا. لم يقل لي أحد: كيف تحب زوجتك يومًا، لكنّي رأيت كيف تُصان العشرة، وكيف يبقى الودّ حين تختلف الآراء، وكيف يكون البيت مأوى لا ساحة صراع. كبرت، وحين دخلت الحياة الزوجية، لم أبحث عن الحب… كنت أعرفه. عرفت كيف أقول لها دون تكلّف: أطمئن حين أراكِ، وأقوى حين أشارككِ يومي، وأبقى لأن البقاء خُلُقٌ تعلّمته قبل أن يكون قرارًا. وحين تعبت الأيام، تذكّرت معنى سمعته يومًا دون أن أعيه كاملًا: حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن أن عشت فيها لأجلها عانيت وإن غبت عنها أنا لها حنيت والحاصل إنه الحب شي ما له ثمن ذلك الحب الذي لا يُشترى، لا يُستهلك، ولا يُدا...