أمّي سقتني إيّاه في وسط اللبن
لم أصل إلى هذا المعنى وحدي.
كان هناك من سبقني إليه دون أن يشرح،
يدان صنعتا الطريق بصمت،
وبيتان علّماني أن الحب لا يُرفع صوته… بل يُحفظ.
شكرًا لوالدين لم يدرّسا الحب كنظرية،
بل تركاه يعيش في تفاصيل البيت:
في نبرة الصوت،
في طريقة العتاب،
وفي الاحترام الذي لا يُشترط له سبب.
كنت طفلًا أرى أكثر مما أفهم،
لكن القلب كان يسجّل كل شيء.
هناك، في تلك السنوات الأولى،
تعلّمت أن المودّة ليست ضعفًا،
وأن الرجل لا يفقد هيبته حين يكون رحيمًا.
لم يقل لي أحد: كيف تحب زوجتك يومًا،
لكنّي رأيت كيف تُصان العشرة،
وكيف يبقى الودّ حين تختلف الآراء،
وكيف يكون البيت مأوى لا ساحة صراع.
كبرت،
وحين دخلت الحياة الزوجية،
لم أبحث عن الحب…
كنت أعرفه.
عرفت كيف أقول لها دون تكلّف:
أطمئن حين أراكِ،
وأقوى حين أشارككِ يومي،
وأبقى لأن البقاء خُلُقٌ تعلّمته قبل أن يكون قرارًا.
وحين تعبت الأيام،
تذكّرت معنى سمعته يومًا دون أن أعيه كاملًا:
حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن
أن عشت فيها لأجلها عانيت
وإن غبت عنها أنا لها حنيت
والحاصل إنه الحب شي ما له ثمن
ذلك الحب الذي لا يُشترى،
لا يُستهلك،
ولا يُدار كصفقة.
حبٌّ جذوره أعمق من اللحظة.
لكن القصة لا تكتمل من طرف واحد.
فهي أيضًا،
لم تصل إلى هذا البيت مصادفة.
جاءت محمّلة بتربية تعرف معنى الصون،
تعرف أن الرعاية قوة هادئة،
وأن الاحترام ليس تنازلًا بل وعي.
تعلّمت في بيتها
أن تحب دون ابتزاز،
وترعى دون ضجيج،
وتحفظ الودّ حتى في الاختلاف.
وحين التقينا،
لم يبدأ الحب من الصفر،
بل التقى ما زُرع بما زُرع،
فصار الود عادة،
والرحمة سلوكًا يوميًا،
والاحترام لغة لا تحتاج ترجمة.
اليوم،
حين أحتوي أطفالي،
وأحفظ بيتي،
وأحاول أن أكون رجلًا يعرف متى يتقدّم ومتى يصمت،
أدرك أن الفضل لا يعود لي وحدي.
هناك أمّ
سقتني هذا المعنى في وسط اللبن،
وأب
علّمني أن الرجولة لا تعلو بالصوت بل بالفعل.
وهناك بيئة
لم تكن مثالية،
لكنها كانت صادقة.
فإن بقي الحب،
وإن سلم البيت،
وإن كبر الأولاد وهم يعرفون كيف يُحبّون،
فذلك ليس صدفة…
بل أثرٌ طيبٌ لا يزال يعمل بصمت.

تعليقات