حديث لا يسمعه أحد
حديث لا يسمعه أحد منذ صغري وأنا أسمع المقولة: “ البحر يستقبل كل من يشتكي له، كل من يُكلمه .” كان البحر دائمًا ذلك الرفيق الصامت، النديم الذي لا يكلّ من الاستماع، الحضن الواسع لكل من أثقله الهمّ أو أراد أن يهمس بسرّ لا يُقال. لم يكن مجرد ماءٍ وملح، بل كان مأوى للأفكار المتعبة، للقلوب المثقلة، للضحكات العالقة في الزمن. كم من إنسان جلس أمامه وباح بما لا يُقال، استودعه أسراره وأمانيه، رجاه أن يحتفظ بها، وربما أن يعيدها له يومًا حين يحتاج أن يتذكّر أو يستعيد نفسه. وكم من ضحكة سمعها البحر، حفظ صداها بين أمواجه، ليعيدها بعد حين ذكرى دافئة لمن ضحكوا ذات لحظة على شاطئه، قبل أن تفرّقهم الحياة. وفي زمنٍ امتلأت فيه الحياة بالضجيج، أصبح البحر خيارًا نادرًا للسكينة. أمامه، لا إشعارات، لا رسائل، لا مطالب عاجلة… فقط صوت داخلي يُعيد ترتيبك بصمت. من جلس أمام البحر، يعلم أن لحظة واحدة من صدقه تكفي لمداواة ما عجزت عنه أيام مزدحمة. لكن السر في علاقة البحر بالبوح لا يكمن في ظاهره فقط، بل في بُعدين عميقين: بُعد مسموع، وبُعد مرئي. أما البُعد المسمو...