ما هو توقيتك؟
ما هو توقيتك؟
دعني أسألك سؤالًا يبدو بسيطًا…
ما هو توقيتك؟
لا تنظر إلى ساعتك بعد.
أنا لا أسأل عن رقم، بل عن المرجع الذي يضبط يومك من الداخل.
نحن اليوم نعامل الوقت كأرقام:
دقائق تُحسب، وساعات تُملأ،
لكننا نادرًا ما نسأل:
هل هذه الأرقام تعني شيئًا فعلًا؟
قبل الساعات والتقاويم،
لم يكن الإنسان ضائعًا كما نظن.
كان يقرأ الوقت في الضوء والظل،
في تغيّر الفصول،
في نضج الثمار،
وفي حركة السماء.
كان الوقت يُرى… لا يُطارد.
الغواص في البحر مثلًا
لم يكن يقول: سنعود بعد عدد محدد من الأيام.
لم يحمل ساعة مقاومة للماء،
ولم ينتظر تاريخًا في التقويم.
كان يقرأ البحر.
حرارة الماء،
حالة الموج،
قدرة الرجال،
ومردود الغوص.
وحين يبرد الماء
لم يكن ذلك تفصيلًا صغيرًا،
بل إعلان واضح:
انتهى الموسم.
هنا القرار يمس الرزق والسلامة والعودة للأهل.
الوقت كان مرتبطًا بالحياة نفسها،
لا بعقارب ساعة.
والبدوي لم يحتج منبّهًا.
النجوم كانت دليله،
ومسار الشمس كان جدوله.
لم يكن الزمن عدوًا له،
بل لغة يفهمها.
ثم تغيّر كل شيء.
صرنا نقيس أيامنا بالدقائق،
ونقيس أعمارنا بالسنوات،
ونقيس نجاحنا بالإنجازات المتراكمة.
ربحنا الدقة…
لكن كثيرًا منا خسر الإحساس بالمعنى.
ومع ذلك،
لا يزال هناك من يختار مرجعًا مختلفًا.
تجده يقول:
بعد الظهر،
بين المغرب والعشاء،
وقت الضحى.
هو لا يحدد موعدًا فقط،
بل يربط يومه بمحطات ذات قيمة.
كل محطة توقف مقصود،
مراجعة للنفس،
قبل أن تكون انتقالًا في الجدول.
وعندما يقول:
“أصلي ثم أذهب”
فهو لا يؤجل حياته،
بل يعلن أن في يومه شيئًا
لا يخضع للعجلة.
لاحظ الفرق:
من يعيش للأرقام
يظل يركض داخل الوقت.
ومن يربط وقته بالمعنى
يجعل الوقت يدور حوله.
لذلك اسأل نفسك بهدوء:
ما الذي يحدد قراراتك اليومية؟
تنبيهات الهاتف؟
ضغط العمل؟
أم نقاط ثابتة تعطي يومك وزنًا ومعنى؟
ربما المشكلة ليست في قلة الوقت،
بل في مرجعيته.
وحين ينتهي يومك،
أنت لا تتذكر الساعة التي كانت تشير إلى الثالثة،
ولا الدقيقة التي مرّت سريعًا…
بل تتذكر اللحظات التي كان لها أثر.
الآن اسأل نفسك بصدق:
هل توقيتك تصنعه الساعة؟
أم تصنعه القيم؟
أم تصنعه غاية تعرف لماذا تسير نحوها؟
حين تعرف الجواب،
ستفهم أن السؤال لم يكن يومًا:
كم الساعة الآن؟
بل كان دائمًا:
ما هو توقيتك؟
تعليقات