سر الخوف
سر الخوف
كان الليل قد استقر فوق السوق القديم، والمصابيح الزيتية تُلقي ظلالًا مرتعشة على الرفوف الخشبية.
جلس التاجر المسن على بساطه المعتاد، وطلب من ابنه أن يقترب. لم يكن في صوته ضعف الشيخوخة، بل ثِقَل المعرفة.
قال بهدوء:
«ما سأقوله لك الليلة… لا يُكتب، ولا يُقال في وضح النهار.»
اقترب الابن، وارتعشت أصابعه قليلاً.
سأل «أبي… هل كل ما نسمعه عن الجديد يستحق الثقة؟».
ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة، ثم أشار بيده نحو السوق النائم.
قال «إياك أن تنخدع بأصواتهم العالية،».
«التاجر الضعيف يصرخ كثيرًا، لأنه لا يملك فرقًا حقيقيًا.»
ابنه نظَر حوله، متسائلًا: «وكيف أميز الفرق الحقيقي من الصخب؟»
رد الأب بثقة «اسأل دائمًا: هل غيّروا جوهر السلعة؟ أم بدّلوا غلافها فقط؟».
ثم انحنى قليلًا وقال بصوت أخفض:
«أغلبهم لا يبيع سلعة… يبيع إحساس التأخر.
يجعل الزبون يشعر أن ما بيده أصبح فجأة ناقصًا، مع أنه لم يتغير.»
توقف، ونظر مباشرة إلى عيني ابنه.
«احذر من التاجر الذي لا يشرح ما تغيّر، بل يهاجم ما كان.»
تنهد الأب، وكأن كلمات السر ثقيلة على صدره.
«الناس لا تشتري الحاجة دائمًا، تشتري الخوف من أن تكون خارج الزمن.»
رفع إصبعه ببطء:
«إذا أردت الربح، لا تتحدث عن الفرق الحقيقي أولًا.
تحدث عن اللحاق، عن السباق، عن الآن أو لن تلحق.»
ابتسم ابتسامة صغيرة، لا تُطمئن.
«سمِّ التحسين ترقية.
وسمِّ الترقية ثورة.
ولا تقل أبدًا: أصلحنا خطأ.
قل: فتحنا بابًا جديدًا.»
ابنه تمتم بحذر: «أهذا… خداع؟»
أجاب الأب دون تردد:
«الخداع أن تبيع ما لا يعمل.
أما نحن، فنبيع ما يعمل…
لكننا نُضخّم الشعور بأن غيره لم يعد يعمل.»
ثم أضاف:
«التاجر الذكي لا يكذب،
هو فقط يختار الزاوية التي يرى منها الزبون الحقيقة.»
نظر الابن إلى الأرض، يفكر في كل كلمة.
«إذن الربح الحقيقي… ليس فقط بالسلعة، بل بكيفية رؤية الناس لها؟»
«بالضبط»، قال الأب وهو يربت على كتف ابنه. «تذكر هذا جيدًا:
الترقية الحقيقية تغيّر حياة الزبون،
لكن السوق يعيش على ما دون ذلك.»
نهض الشيخ ببطء، وتلاشى في الظل بين الرفوف، بينما بقي الابن واقفًا، يشعر أن السوق كله لم ينم.

تعليقات