المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2026

سراب الأب

صورة
  سراب الأب لم يقل الأب الجملة ليواسيه، بل ليُغلق بابًا يخيف ابنه. وقف بجانبة قبل السفر، وضع يده على كتف ابنه بثبات لا يشبه الوداع، وقال بوضوح خالٍ من الزينة: «لا تخف. سأكون في ظهرك. لكن ليس في كل طريق تختارها.» لم يناقش الابن الشطر الثاني. لم يكن مستعدًا لفكرة أن الأمان قد يأتي مشروطًا، ولا أن الحماية قد تبدأ بالمنع. يتطلع لما سيخوضه الي الامام. قبل ذلك بأيام، قال له صديق و هو يشجعه جملة بدت أبسط وأكثر إنسانية: "أنا   معك   دائمًا،   مهما   قررت" . كانت جملة مريحة، بلا حدود، بلا إعتراض، بلا مستقبل يُطالِب بثمنه. حين جاء القرار الأول للإبن ، كان خاطئًا، لا لأنه سيئ في ظاهره، بل لأنه مؤذٍ في نهايته. فرصة سريعة، مكسب قريب، هذا ما يراه الابن و الأب يرى شيئا آخر مخاطر مؤجلة لا تُرى إلا متأخرًا. هذا ما لم يراه الابن و كان واضحا للأب  عندما طرح الابن الفرصة للأب دار الحديث كالتالي  قال الأب: لا. قالها ببرود الواثق، لا بحدة المتسلط. مدّ الابن الأوراق أمامه، شرح، أقسم، وعد. توقّف الأب عند سطر واحد، ثم دفع الملف جانبًا وقال الجملة التي كسرت كل شيء: «في هذا الطر...

سر الخوف

صورة
سر الخوف كان الليل قد استقر فوق السوق القديم، والمصابيح الزيتية تُلقي ظلالًا مرتعشة على الرفوف الخشبية. جلس التاجر المسن على بساطه المعتاد، وطلب من ابنه أن يقترب. لم يكن في صوته ضعف الشيخوخة، بل ثِقَل المعرفة. قال بهدوء: «ما سأقوله لك الليلة… لا يُكتب، ولا يُقال في وضح النهار.» اقترب الابن، وارتعشت أصابعه قليلاً. سأل  «أبي… هل كل ما نسمعه عن الجديد يستحق الثقة؟». ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة، ثم أشار بيده نحو السوق النائم. قال  «إياك أن تنخدع بأصواتهم العالية،». «التاجر الضعيف يصرخ كثيرًا، لأنه لا يملك فرقًا حقيقيًا.» ابنه نظَر حوله، متسائلًا: «وكيف أميز الفرق الحقيقي من الصخب؟» رد الأب بثقة  «اسأل دائمًا: هل غيّروا جوهر السلعة؟ أم بدّلوا غلافها فقط؟». ثم انحنى قليلًا وقال بصوت أخفض: «أغلبهم لا يبيع سلعة… يبيع إحساس التأخر. يجعل الزبون يشعر أن ما بيده أصبح فجأة ناقصًا، مع أنه لم يتغير.» توقف، ونظر مباشرة إلى عيني ابنه. «احذر من التاجر الذي لا يشرح ما تغيّر، بل يهاجم ما كان.» تنهد الأب، وكأن كلمات السر ثقيلة على صدره. «الناس لا تشتري الحاجة دائمًا، تشتري الخوف من أن تكون خا...

من يملك بداية السنة؟

صورة
  من يملك بداية السنة؟ كل عام نتصرف وكأن الزمن يتوقف لحظة، ثم يُعاد تشغيله. تهاني، احتفالات، قرارات جديدة، ووعود تتكرر. لكن سؤالًا بسيطًا لا يُطرح غالبًا: من قرر أن السنة تبدأ هنا؟ فالزمن لا يعرف يناير، ولا ينتظر احتفالنا، ومع ذلك نتعامل مع هذا التاريخ وكأنه حقيقة كونية لا تُناقش. الحقيقة أن ما نُسميه “رأس السنة” ليس بداية زمن، بل بداية اتفاق بشري. اتفاق تنظيمي تحوّل مع الوقت إلى عادة اجتماعية، ثم إلى طقس ثقافي يختلف وزنه من دولة إلى أخرى. هل تحتفل جميع الدول برأس السنة؟ الجواب المختصر: لا. ليست كل الدول ولا كل المجتمعات تنظر إلى 1 يناير بالطريقة نفسها: • الفاتيكان يستخدم التقويم الميلادي إداريًا، لكنه لا يمنح رأس السنة طابعًا احتفاليًا دنيويًا صاخبًا، لأن مرجعيته الأساسية دينية. • منغوليا تعتمد السنة الميلادية رسميًا، لكن ثقلها الثقافي الحقيقي يظل مرتبطًا بالسنة القمرية التقليدية. • دول أخرى تعتبر اليوم عطلة إدارية فقط، بلا احتفال اجتماعي يُذكر. هذا الاختلاف وحده يكشف حقيقة مهمة: رأس السنة ليس طقسًا عالميًا موحدًا، بل تاريخًا مدنيًا تُسقط عليه المجتمعات ما تشاء من معان...