وجوه لا تعرف بعضها
وجوه لا تعرف بعضها
لا أحد يملك الشجاعة ليدّعي أنه يعرف الرجال حقًا.
فهم لا يُفهمون من أصواتهم، ولا من كلماتهم، بل من شيءٍ يتحرك خلف ضلوعهم… شيء لا يُرى إلا عندما يظنون أن لا أحد يراقبهم.
وأحيانًا… يكون الظل أكثر صدقًا من صاحبه.
1. الصامت
يمرّ كنسمة… لكن أثره يشبه العاصفة.
لا يشرح، لا يحتج، لا يطالب.
يقترب فقط حين يخاف عليك، ويبتعد حين يخاف أن يثقل عليك.
تعرفه من الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد:
من كوب الماء الذي وُضع أمامك دون سؤال،
ومن بابٍ أُغلق برفق كي لا تستيقظ،
ومن أعباء اختفت فجأة دون أن يسألك أحد كيف حالك.
هو الرجل الذي يختار أن يختفي حتى يظهر غيره.
الرجل الذي لا يعرف كيف يقول «أنا هنا»… لكنه دائمًا هناك.
2. الماديّ البراق
تشعر بأنك تقترب منه… لكنك في الحقيقة تقترب من انعكاسه فقط.
يبني عالمًا يلمع أكثر مما يعيش.
يرفع سقف الثراء حتى لو كان أساسه من تراب متآكل.
يضجر من التفاصيل البسيطة، ويغضب من الأشياء التي لا تلمع، ويتصرف وكأن البريق هو الهواء.
لا تعرف ما إذا كان يخاف من الفقر… أم يخاف أن يرى نفسه بلا زينة.
كل ما حوله مُصمم ليخفي فراغًا لا يريد الاعتراف به.
3. القائد المتسلّط
يمشي وكأن الأرض تُفسح له الطريق… لكنه في داخله يخشى أن تبتلعه.
يتحدث بثقة لا تهتز، ويطلق أوامر لا تتوقف، وكأنه يطارد شيئًا لا يريدنا أن نراه.
لا يطيق أن يشك أحد في رأيه، ولا يحتمل أن يُكشف ضعفه ولو بومضة.
يريد احترامًا لا يقبل التفاوض، وتعظيمًا لا يعرف الحدود.
لكن حين يلمع الخوف في عينيه لثانية واحدة… تدرك أن القوة ليست أكثر من درع صدئة تثقل كتفيه.
4. صاحب القالب الموروث
يبتسم ابتسامة ليست له… ويعيش حياة لم يختَر مسارها.
يتحدث كما يريدون، يفكر كما علموه، ويقف بالطريقة التي اعتاد عليها الجميع.
يمشي داخل قالب ضيق، يخدش روحه كلما تحرك بداخله.
لا يعترض.
لا يثور.
لا يسأل لماذا.
كأن السؤال وحده خطيئة تكشفه للعالم.
تراه وتحسب أنك تعرفه، لكنك ترى النسخة القديمة منه—النسخة التي صنعها غيره، لا هو.
الخلاصة
أخطر ما في الرجال ليس ما يفعلونه…
ولا ما يقولونه…
بل ما يتجنبون النظر إليه حين يخلون بأنفسهم.
وربما لهذا السبب، لم يفهم رجلٌ يومًا رجلًا آخر بالكامل.
فكل واحدٍ منهم يسير بوجه… وظلٍّ يجرّه خلفه،
وظلّ الظلّ… الذي لا يعرفه أحد.
لباقي المقالات عالي
aldeai.blogspot.com

تعليقات