لون لا يثبت
لون لا يثبت
في زوايا عالم النبات تعيش صبغة لا تعرف الثبات. تتغيّر كما تتغيّر الفصول، وتتبدّل كما تتبدّل الأمزجة، لكنها لا تفقد حقيقتها مهما تبدّلت ألوانها. يسمّونها الأنثوسيانين… ومع ذلك تبدو وكأنها ليست مجرد جزيء، بل طبعٌ خفيّ يشبه بعض النفوس.
هذه الصبغة لا تفرض نفسها على ما حولها، بل تقرأ ما يمرّ بها، ثم تختار مظهرها بحكمة.
فإن اشتدّت الحموضة احمرّت كمن يعلن موقفًا واضحًا في زمن يحتاج وضوحًا.
وإن هدأت الظروف، تلونت بالبنفسجي، وكأنها تقول إن السكينة قرار لا ضعف.
وإن تغيّرت البيئة، تحوّلت إلى الأزرق دون أن تشعر بالخسارة أو التردد.
وهكذا بعض الناس…
هناك أشخاص يحملون روح الأنثوسيانين دون أن يعلموا.
لا يتمسكّون بوجه واحد مهما تغيّرت ظروف الحياة، ولا يصرّون على الظهور بنفس الهيئة أمام الجميع.
بل يتحركون بمرونة داخل المجتمع، يفهمون اللحظة، ينسجمون مع حاجاتها، ويقدّمون أجمل ما فيهم دون أن يؤذوا أحدًا.
في مجتمع يمتلئ بأنماط متصلّبة لا تقبل التعديل، تصبح المرونة فضيلة نادرة.
بعضهم يصرّ على رأيه حتى لو خسر الناس.
وبعضهم يثور بلا داعٍ كأن أي اختلاف تهديد.
لكن أولئك الذين يشبهون الأنثوسيانين يفهمون أن الحياة ليست معركة مستمرة، وأن الاختلاف ليس ساحة قتال.
الأنثوسيانين والضوء… وتشبيه لا يحتاج شرحًا
حين يشتد الضوء عليه أكثر مما يحتمل، يختفي.
ليس خوفًا، بل حفاظًا على نفسه. يعرف أن مواجهة ما يفوق قدرته تهور لا بطولة.
وفي المجتمع، هناك من يعتقد أن الظهور الدائم فضيلة، وأن الصمت ضعف.
لكن بعض المواقف لا تحتاج كلامًا، بل تحتاج من يختار التراجع الحكيم كي لا يُرهق نفسه ولا يجرح غيره.
الصبغة تعود حين يهدأ الضوء… وهكذا الأشخاص الحكماء.
لا يهربون، بل ينسحبون حين يكون الانسحاب أذكى.
العمل بصمت… القيمة التي لا تُرى
وحين تدخل الأنثوسيانين جسم الإنسان، فإنها تعمل دون أن تترك لونًا أو أثرًا على الجلد.
تُحسّن ما في الداخل، تقوّي، توازن، وتحمي… بلا إعلان وبلا مطالبة بالشكر.
وهذا يشبه فئة من الناس لا تتفاخر بما تفعل، ولا تُذكّر غيرها بفضلها، ولا تتعامل مع الخير كسلعة.
نفوس هادئة، لا تبحث عن تصفيق، بل عن أثر نافع.
هؤلاء هم الذين يغيّرون المجتمع دون ضجيج.
مجتمع متنوع… وألوان شخصية لا بد أن تتكيف
في كل مجتمع نجد:
من يغضب سريعًا،
ومن يتراجع بسرعة،
ومن يتصلّب في رأيه حتى يتكسّر،
ومن يتلون على حساب مبادئه،
ومن يفهم الزمن ويتكيف معه دون أن يتخلى عن جوهره.
الأخيرة فقط… هي الفئة التي تشبه الأنثوسيانين:
مرنة دون تموّج،
ثابتة في قيمها، متغيّرة في أسلوبها،
ناعمة في حضورها، قوية في أثرها،
تظهر حين يكون الظهور حكمة، وتغيب حين يكون الغياب فضيلة.
الألوان الجميلة ليست التي تثبت،
بل التي تعرف متى تتبدّل، وكيف تتفاعل، ولأي سبب تظهر.
تمامًا كما الإنسان الذي يفهم مجتمعه، فيتكيف دون أن يفقد نفسه،
ويقدم نفعًا بلا أذى،
ويظلّ على قيمته مهما تغيّرت الظروف.
هذا اللون الذي لا يثبت…
ليس ضعفًا، بل فنّ العيش دون أن تنكسر في الطريق.
#الفضول #السيطرة #الوهم #النرجسية #الطموح
#الوان #خيال_علمي
#الكويت #مقالات #اكسبلور #افكاري #قصص #روايات #عبر
لباقي المقالات عالي
aldeai.blogspot.com

تعليقات