النص والخيال
النص والخيال
منذ القدم، ظل الإنسان أمام الخوارق في حيرة بين النص الإلهي المقتضب وبين الخيال البشري المتمدد. النص يعرض الحدث بوضوح وبلا تفاصيل، أما العقل فيرفض الفراغ، فيملؤه بالصور والتصورات، حتى تتحول مع الزمن إلى عقائد وخلافات.
عصا موسى… المثال الأقرب
يقول تعالى: ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: 107].
النص واضح: عصا تحولت إلى ثعبان، لقفت ما صنعه السحرة، ثم عادت كما كانت.
لكن البشر لم يكتفوا بذلك. صُوّرت العصا حية ضخمة تفتح فاها، أو أفعى صغيرة تسعى، وتحوّلت إلى رسومات ومشاهد متناقلة. ومع الوقت، صارت هذه الصور المختلف عليها مادة للنزاع بين المفسرين والطوائف، بينما النص لم يطلب أصلًا هذا الجدل.
ظاهرة تتكرر عبر الأديان
عصا موسى مجرد مثال، والظاهرة تمتد في كل الأديان:
• إحياء المسيح للموتى: انقسمت الطوائف بين النبوة والألوهية.
• الإسراء والمعراج: هل كان بالروح أم بالجسد؟ وكيف صعد؟
• طوفان نوح: عالمي أم محلي؟
• القيامة: النصوص أكدت حقيقتها، بينما الخيال ملأ التفاصيل عن الجنة والنار والحساب.
كلها تكشف ميل البشر إلى التصوير بدل الاكتفاء بالجوهر.
النزعة النفسية إلى التصوير
الإنسان يكره الغموض، وعقله ميّال لتحويل المجهول إلى صورة، حتى يطمئن. غير أن هذه الطمأنينة الموهومة تفتح باب الخلاف: فكل صورة جديدة تصنع انقسامًا جديدًا.
العلاج النبوي
النبي ﷺ وضع الدواء حين قال:
«يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» [متفق عليه].
العلاج إذن: استعاذة، وانتهاء. فلا خيال ولا صور زائدة، بل تسليم أن الحدث من عند الله، دون إغراق في “كيف”.
الخلاصة
النص يريد أن يوجّه العقل إلى المصدر: الله. أما الخيال، فيجعل الناس أسرى الصور والجدل. وبين النص والخيال يقف الإنسان: إما أن يسلّم للآية كما جاءت، أو أن يضيع في متاهة الصور التي صنعها عقله.
لباقي المقالات
aldeai.blogspot.com

تعليقات